في يوم من الايام

لكن عينيه… عينيه كانوا عيني ابني. نفس النظرة اللي كان بيبصلي بيها كل ما أرجع من الشغل، ويجري عليا عشان يحكيلي حصل إيه في المدرسة. وقفت مكاني، ومقدرتش أتحرك. يوسف رفع راسه بصعوبة، وبصلي كأنه مش مصدق.

«بابا؟» وقعت على ركبتي قدامه، ومديت إيديا ناحيته. «أيوه يا حبيبي… أنا بابا». فضل يبصلي ثواني طويلة، وبعدين مد إيده الصغيرة ولمس وشي. «إنت بجد؟» انفجرت في العياط. «أيوه يا قلب بابا، أنا بجد. أنا جيت آخدك».

ارتمى في حضني بكل قوته، رغم إن جسمه كان ضعيف جدًا، وبدأ يعيط بطريقة عمري ما سمعتها منه قبل كده. «أنا كنت مستنيك يا بابا… كنت مستنيك كل يوم». حضنته بقوة، وبعدين خفت أكون بضغط على جسمه، فخففت حضني وأنا بمسح على شعره.

«أنا آسف يا حبيبي… آسف إني اتأخرت عليك». هز راسه وهو بيعيط. «إنت ما تعرفش أنا هنا». الجملة دي كسرتني أكتر من أي حاجة. ابني كان عايش في المكان ده، تحت الأرض، وأنا كل يوم بصحى وأدور عليه في الشوارع والمستشفيات والأماكن المهجورة، من غير ما أعرف إنه قريب مني بالشكل ده.

ملك نزلت ورايا، وأول ما شافته صرخت: «يوسف!» يوسف رفع راسه، وبص ناحيتها. «ملك؟» جريت عليه، ووقعت في حضنه، وفضلت تقوله إنها كانت عارفة إنه موجود، وإنها سمعت صوته، وإنها ما بطلتش تفكر فيه. يوسف حضنها بإيده الضعيفة، وابتسم ابتسامة صغيرة لأول مرة.

«أنا سمعتك يا ملك… كنت بسمعك وإنتِ بتعيطي فوق». ملك رفعت وشها وبصتله. «كنت بتخبط عشان نسمعك؟» هز راسه. «أيوه… كنت بخبط كل ما أسمع حد بيتكلم فوق». في اللحظة دي، سمعت صوت حركة سريعة على السلم، وبعدها صوت المسعفين والشرطة اللي وصلوا البيت.

دخلوا المكان، وأول ما شافوا يوسف، طلبوا مننا نوسع الطريق، وبدأوا يفحصوا حالته. كنت واقف جنبه، ماسك إيده، ومش قادر أسيبه حتى للحظة واحدة. واحد من المسعفين بصلي وقال: «لازم ننقله المستشفى فورًا. واضح إنه محتاج فحوصات عاجلة، ومش هنقدر نحدد حالته كاملة غير بعد الكشف».

هزيت راسي بسرعة. «خدوه، بس أنا هكون معاه». وقبل ما يرفعوه على النقالة، يوسف شد إيدي. «بابا… ماتخليهاش تاخدني تاني». بصيتله، وحسيت بغضب عمري ما حسيت بيه قبل كده. «مين يا حبيبي؟» بص ناحية السلم. «هي». ما كملش.

لكن عينيه راحت ناحية عايدة اللي كانت واقفة فوق، محاطة برجال الشرطة. وقتها فهمت إن القصة لسه ما انتهتش. يوسف اتنقل للمستشفى، وأنا ومنى وملك رحنا معاه في عربية الإسعاف. منى كانت وصلت بعد ما كلمتها وقلت لها إن يوسف اتلاقى، ولما شافته على النقالة، صرخت صرخة هزت المكان كله.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *