في يوم من الايام
عايدة قالتلي إنها هتخوفه شوية عشان تعرف منه مكان المستندات اللي سامح خبّاها. أنا ما كنتش موافق على حبس طفل». ضحكت بمرارة. «بس كنت موافق إنك تسيبه تحت الأرض؟» فؤاد بص للأرض. «أنا غلطت». قربت منه، وقلت بصوت هادي بشكل مخيف: «إنت عارف ابني كان بيعيط قد إيه؟
عارف كان بيقول إيه وهو لوحده؟ كان بيقول إنه عايز يرجع لأمه وأبوه. وإنت كنت قاعد في بيتك بتتعشى وتنام، عارف إن فيه طفل محبوس ومش قادر يخرج». فؤاد ما ردش. الرائد كريم فتح ملف، وطلع منه صورة لمستند قديم.
«إحنا لقينا الورقة دي في مخزن تابع للشركة اللي كان سامح شغال فيها. الورقة بتثبت إن الأرض اتباعت بعقد مزور، وإن فيه تحويلات مالية اتعملت قبل وفـ,ـاة سامح بيوم واحد». فؤاد رفع راسه بسرعة. «أنا ما قـ,ـتلتش سامح!
» الرائد كريم رد بهدوء: «إحنا ما اتهمناكش بالقـ,ـتل دلوقتي. لكن عندنا تسجيل من كاميرا محل قريب من الطريق اللي حصل فيه الحادث، بيظهر عربيتك ماشية ورا عربية سامح قبل الحادث بدقايق». فؤاد وشه اصفر. «ده مش دليل إني قـ,ـتلته».
«صحيح. وعشان كده التحقيق مستمر». خرجت من القسم وأنا حاسس إن الحقيقة بدأت تظهر، لكني ما كنتش عايز أنتقم بإيدي. كنت عايز كل واحد شارك في اللي حصل يتحاسب، عشان ابني يعرف إن العالم مش دايمًا بيسيب الظلم من غير حساب.
بعد أيام، أمي وصلت المستشفى، وأول ما شافت يوسف، حضنته وفضلت تبوس راسه وهي بتدعي. يوسف كان لسه بيتوتر من الزيارات الكتير، لكن وجود جدته ريحه شوية، لأنها كانت بتتكلم معاه بهدوء، وما كانتش بتسأله عن اللي حصل.
كانت تقعد جنبه وتحكيله عن شجرة الليمون في بيت جدي، وعن العصفورة اللي كانت بتبني عشها فوق الشباك، وعن التورتة اللي كان نفسه ياكل منها يوم اختفائه. وفي مرة، يوسف سألها: «تيتة، هو البيت القديم لسه موجود؟» أمي ابتسمت بحزن. «أيوه يا حبيبي». «أنا نفسي أروح أشوفه». بصيتله بحذر.
«لما تبقى مستعد يا يوسف. مش لازم تستعجل». هز راسه. «أنا عايز أروح عشان أفتكر الحاجات الحلوة، مش عشان أخاف». الكلام ده خلاني أفهم إن ابني بدأ يحاول يستعيد حياته، وإنه مش عايز يفضل أسير المكان اللي اتحبس فيه.
بعد شهرين من العلاج والمتابعة، قدر يوسف يرجع البيت لفترات أطول، وبعدين رجع يعيش معانا بشكل طبيعي تدريجيًا. خصصناله أوضة جديدة، واختار لون الحيطان بنفسه، وحط صورته مع ملك على المكتب، وحط العربية الصغيرة جنب السرير. أما منى، فكانت لسه بعيدة عنه.