في يوم من الايام
حسيت إن قلبي اتقطع. «مين اللي قالتلك كده؟» «خالتي عايدة». غمضت عيني لحظة، وبعدين سألته بهدوء: «قالتلك كده إمتى؟» «لما كنت بعيط وبقول عايز أروح لماما وبابا. قالتلي إنكوا مش عايزيني، وإنكوا سبتوني عشان أنا عملت حاجة وحشة». دموعي نزلت من غير ما أحس.
حضنته بحذر، وقلتله: «اسمعني كويس يا يوسف. إنت ما عملتش حاجة وحشة، ومفيش حد في الدنيا يقدر يخليني أبطل أحبك. أنا دورت عليك كل يوم، وكل ليلة كنت بنام وأنا بدعي ربنا يرجعك ليا». بصلي بعينين مليانين دموع. «أنا كنت بخبط يا بابا… بس محدش كان بيرد».
«أنا آسف يا حبيبي». هز راسه. «إنت ما كنتش تعرف». وبعدين سكت شوية، قبل ما يقول جملة خلتني أفهم إن اللي حصل كان أكبر من مجرد جـ,ـريمة خطف. «بابا… خالتي عايدة كانت بتقول إن ماما هي اللي وافقت إني أفضل تحت».
بصيت ناحية منى. كانت قاعدة في مكانها، وشها مدفون بين إيديها. يوسف كمل: «كانت بتقول إن ماما مش عايزاني أرجع، عشان لو رجعت، كل الناس هتعرف الحقيقة». سألته: «حقيقة إيه يا حبيبي؟» يوسف بص ناحية الباب، وكأنه خايف حد يسمعه. «الورق يا بابا». «ورق إيه؟
» «الورق اللي كان مع عمو سامح». اتجمدت. سامح كان ابن خالتي عايدة، محاسب العيلة، والراجل اللي كان مسؤول عن أوراق بيع جزء من أرض جدي بعد وفـ,ـاته. مـ,ـات في حـ,ـادث عربية قبل اختفاء يوسف بحوالي شهرين، وكانت العيلة كلها اعتبرت الموضوع قضاء وقدر.
لكن يوسف كان عنده تمن سنين وقتها. إيه اللي ممكن يعرفه عن أوراق سامح؟ سألته: «إنت شوفت الورق ده؟» هز راسه. «أيوه. كنت بلعب في المكتب عند جدو، ولقيت عمو سامح بيتخانق مع خالتي عايدة.
كان بيقول لها إنها سرقت فلوس، وإنه هيبلغ الشرطة». حسيت إن الصورة بدأت تتجمع قدامي، لكن لسه فيه قطع ناقصة كتير. «وبعدين؟» يوسف بلع ريقه، وبدأ يتكلم ببطء. «خالتي شافتني. قالتلي إني لازم أنسى اللي سمعته، وإن لو حكيت لحد، هتخليني أختفي.
أنا خفت وجريت، لكنها مسكتني». سكت، وبدأ نفسه يتسارع. طلبت الممرضة مننا نسيبه يرتاح شوية، فمسكت إيده وقلتله: «مش لازم تحكي كل حاجة دلوقتي. إنت بأمان يا حبيبي». لكنه شد إيدي. «لأ يا بابا، لازم تعرف. عشان هي هتيجي تاخدني تاني».
في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخلت منى. يوسف أول ما شافها، اتراجع ناحية المخدة، وبدأ يرتعش. منى وقفت مكانها، وكأنها اتضربت في قلبها. «يوسف، يا حبيبي، أنا أمك». يوسف هز راسه بسرعة. «إنتِ قلتي لها تحبسني». منى غطت وشها وانهارت في العياط.