في يوم من الايام

وفي جلسة من الجلسات، قدمت أمي الظرف اللي كانت مخبياه من يوم وفـ,ـاة سامح، ومعاه رسالة بخط إيده، كان كاتب فيها إنه لو حصل له أي مكروه، فالأوراق الأصلية موجودة في صندوق حديدي داخل مخزن قديم تابع للشركة.

وفي النهاية، صدرت الأحكام بعد استكمال التحقيق والمحاكمة، واتحاسب كل شخص على الدور اللي ثبت بالأدلة إنه شارك فيه، بينما استمرت الإجراءات الخاصة ببعض تفاصيل قضية وفـ,ـاة سامح وفق الأدلة المتاحة. لما سمعت الحكم، ما حسيتش بالفرحة اللي كنت متخيل إني هحس بيها. حسيت بالراحة بس.

راحة إن ابني مش هيفضل سر مدفون تحت الأرض، وإن الناس اللي خافوا من الحقيقة مش هيقدروا يخفوها للأبد. بعد شهور، رجعنا كلنا بيت جدي في المنوفية. كان يوم ربيعي، والجو لطيف، وشجرة الجوافة في الجنينة بدأت تطلع ورق جديد.

وقف يوسف عند الباب الجانبي اللي اختفى منه، وبص للمكان فترة طويلة. أنا وقفت جنبه، من غير ما أضغط عليه يتكلم. بعد شوية، مد إيده ومسك إيدي. «بابا». «نعم يا حبيبي؟» «أنا كنت فاكر إني مش هشوف المكان ده تاني». بصيتله وقلت: «وأنا كنت فاكر إني مش هشوفك تاني».

سكتنا شوية، وبعدها ابتسم ابتسامة صغيرة. «بس أنا رجعت». حضنته، وقلتله: «أيوه يا يوسف، رجعت. وإحنا هنبدأ من جديد». ملك جريت ناحيتنا، وكانت شايلة طبق بلاستيك صغير. «بصوا! تيتة عملت التورتة اللي يوسف كان عايزها يوم ما اختفى!» يوسف بص للطبق، وضحك. «دي كبيرة أوي!

» ملك ردت وهي بتضحك: «عشان المرة دي مش هسيبك تاكل حتة واحدة بس!» ضحكنا كلنا، وحتى أمي اللي كانت واقفة عند باب المطبخ مسحت دموعها وهي بتبتسم. في اللحظة دي، افتكرت آخر كلام قلته ليوسف قبل ما يختفي، لما وعدته بحِتتين تورتة زيادة.

وعد بسيط جدًا، لكنه فضل معلق في قلبي أربعتاشر شهر، لحد ما رجع ابني وأخد حقه في الحياة من جديد. بعدها بفترة، يوسف بدأ يرجع المدرسة، ويخرج مع أصحابه، ويلعب في الجنينة. كان لسه بيحتاج وقت، ولسه فيه ليالي بيصحى فيها مفزوع، لكن كل يوم كان بيعدي كان بيقرب خطوة من الحياة اللي اتحرمت منه.

ملك كانت دايمًا جنبه، وكل ما تلاقيه ساكت، تجيب له لعبة أو تحكيله حكاية، لحد ما يرجع يضحك. أما أنا، فتعلمت إن الأمان مش مجرد بيت مقفول وباب له مفتاح، وإن الحب مش كلام بيتقال وقت الفرح وبس.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *