في يوم من الايام

فاكر كويس إني شوفت يوسف بعد الساعة سبعة بشوية، وكان شايل طبق بلاستيك صغير ورايح ناحية الترابيزة اللي في الحوش. وقتها ناديت عليه وقلتله وهو بيجري: «خلي بالك يا يوسف، وما تخلصش الأكل كله، عشان تسيب مكان لحتة التورتة اللي تيتة عاملاها مخصوص ليك».

بصلي وضحك وقال: «حاضر يا بابا، بس متدينيش حتة صغيرة زي كل مرة!» ضحكت وقلتله: «ماشي يا سيدي، ليك حتتين كمان، بس بشرط تسمع الكلام».كانت دي آخر مرة أتكلم فيها مع ابني كلام عادي، من غير ما أعرف إن اللحظة البسيطة دي هتفضل محفورة في دماغي طول عمري.

بعدها بوقت قصير، لما بدأنا ننادي عليه عشان ييجي ياكل التورتة، محدش رد. في الأول افتكرنا إنه بيلعب مع ولاد عمه، أو مستخبي في مكان من الأماكن اللي بيحب يلعب فيها. لكن بعد شوية، القلق بدأ يتسلل لقلوبنا. فتشنا الأوض كلها، والحمامات، والمطبخ، والحوش، والسطح.

نادينا عليه في الجنينة، وجرينا ناحية الأرض اللي ورا البيت، وكل واحد فينا كان بيسأل التاني نفس السؤال: «يوسف فين؟ حد شاف يوسف؟» محدش كان عنده إجابة. لحد ما واحد من قرايبي اكتشف إن باب الجنينة الجانبي مفتوح، وإن فردة كوتشي من بتوع يوسف مرمية جنب مخزن الأدوات القديم.

من اللحظة دي، حياتنا اتقسمت لنصين؛ حياة قبل اختفاء يوسف، وحياة بعده. الشرطة وصلت، وبدأت عمليات البحث في كل مكان. فتشوا الترع والطرق الزراعية، والأراضي الفاضية، والمباني المهجورة، والبيوت اللي حوالينا. أهل البلد كلهم نزلوا يدوروا معانا، وصور يوسف اتوزعت في المحلات وعلى القهاوي، واتنشرت على صفحات الفيسبوك وجروبات المنطقة.

ناس كتير اتصلت وقالت إنها شافته في محطة القطر، أو في موقف الميكروباصات، أو في سوق قريب. كنا بنجري ورا كل بلاغ وكأننا بنجري ورا آخر نفس أمل في حياتنا، لكن كل مرة كنا بنرجع من غيره.

في البيت، منى بقت تنام في أوضة يوسف، وتسيب النور الصغير اللي جنب سريره مفتوح طول الليل. كانت كل يوم ترتب هدومه، وتلمس مخدته، وتفتح دولابه كأنها مستنية يرجع في أي لحظة ويقول لها إنه جعان أو عايز يحكيلها عن حاجة حصلت في المدرسة.

أما ملك، فكانت كل ليلة تيجي تقف عند باب أوضتي وتسألني السؤال نفسه: «يا بابا، هو يوسف ممكن يرجع بكرة؟» وكنت كل مرة أحضنها وأقولها: «إن شاء الله يا حبيبتي، أخوكي هيرجع، وإحنا مش هنبطل ندور عليه أبدًا».

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *