في يوم من الايام

.. دي رجعت بدري!» صوت خطواتها كان بيقرب من السلم بسرعة، وكل خطوة كانت بتخبط في قلبي كأنها إنذار بخطر جاي علينا. بصيت لنسرين، لقيتها بتترعش وبتحاول تمسح دموعها بإيديها، لكن ملامحها كانت بتقول إنها عارفة كويس مين اللي رجع، وعارفة إن رجوعه في اللحظة دي معناه إن كل حاجة اتكشفت خلاص.

شدّيت ملك لحضني، ووقفت بجسمي قدامها، وعيني مثبتة على باب الصالون. في اللحظة دي، ما كنتش بفكر غير في يوسف. ابني كان تحت رجلي، بينادي عليا بصوت ضعيف، وكل ثانية بتعدي كانت ممكن تكون آخر فرصة ليا عشان أنقذه.

سمعت صوت مفتاح بيتحط في الباب، وبعده صوت كعب جزمة بيخبط على الرخام. حد دخل البيت، وقفل الباب وراه بهدوء غريب، وبعدها قال بصوت بارد: «نسرين؟ إنتِ فين يا حبيبتي؟ أنا رجعت». نسرين شهقت، وحطت إيدها على بقها.

أما أنا، فحسيت إن الصوت ده مألوف بشكل خلاني أرجع بذاكرتي لأربعتاشر شهر فاتوا، لليلة اللي يوسف اختفى فيها. كنت سمعت الصوت ده وقتها، لكن وسط الزعيق والناس اللي بتدور والشرطة اللي وصلت، ما ركزتش معاه. الصوت كان صوت مراتي منى! اتجمدت في مكاني. منى؟

! مراتي اللي كانت قاعدة في البيت معانا من الصبح، واللي اتصلت بيا قبل ما أخرج من بيت نسرين بنص ساعة عشان تسألني إذا كنت محتاج أجيب حاجة وأنا راجع؟! بصيت على تليفوني بسرعة. آخر مكالمة منها كانت من شوية فعلًا، وكانت بتقول إنها في البيت، وإن ملك وحشتها وإنها مستنيانا نرجع.

طب مين اللي دخل دلوقتي وقالت إنها رجعت؟ ومين اللي تحت الأرض؟ قبل ما أقدر أفهم أي حاجة، ظهر ظل عند باب الصالون، وبعده دخلت ست لابسة عباية واسعة، وشعرها متغطي بإيشارب أسود، وفي إيدها شنطة كبيرة. أول ما شافتني، وقفت مكانها.

وأنا أول ما شفت وشها، حسيت إن الأرض بتنسحب من تحت رجلي. ما كانتش منى. كانت خالتي عايدة. أخت أمي الكبيرة، الست اللي كل العيلة كانت بتعتبرها صاحبة الكلمة المسموعة، واللي من ساعة اختفاء يوسف وهي بتقف جنبي في كل مناسبة، وتطبطب على كتفي وتقول لي إن ربنا هيعوض صبري خير.

الست اللي كانت بتعيط كل ما تشوف صورة يوسف. الست اللي حضنت ملك يوم اختفاء أخوها، وقالتلها: «متخافيش يا حبيبتي، يوسف هيرجع، وخالتك عايدة مش هتسيبك أبدًا». كانت واقفة قدامي دلوقتي، بتبصلي من غير ما تنطق، وملامحها اتغيرت تمامًا لما سمعت صوت الخبط اللي جاي من الأرضية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *