في يوم من الايام
قربت منها خطوة، وعيني ما فارقتش وشها.«بصيلي يا نسرين».لكنها فضلت باصة ناحية الأرض.«أنا بسألك للمرة التانية. .. إيه الموجود تحت الأرضية دي؟» رفعت عينيها ليا أخيرًا، وكانت مليانة خوف واضح، خوف عمري ما شفته في عيني أختي قبل كده. همست بصوت متقطع: «أحمد، إنت لازم تمشي دلوقتي».
حسيت إن قلبي وقع من مكانه. «أمشي؟! ليه؟» ما ردتش. وفجأة، سمعنا صوت الخبطات للمرة التالتة. لكن المرة دي، ما كانش تلات خبطات وبس. كان فيه صوت احتكاك خفيف، وبعده صوت مكتوم، كأن حد بيحاول يتكلم من ورا حاجز سميك. ملك صرخت وهي بتجري ناحيتي: «يوسف! يا يوسف، إحنا هنا!
متخافش، أنا هخلي بابا يطلعك! » جريت مسكتها وحضنتها، وقلبي كان بيتمزق من الخوف والأمل في نفس الوقت. أما نسرين، فالصينية وقعت من إيديها على الأرض، واتكسر كوبايتين، لكنها ما بصتش حتى ناحية الصوت. فضلت باصة ليا، ودموعها بدأت تنزل على خدودها.
قلت لها وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي: «لو ابني تحت الأرض دي، أقسم بالله ما هسيب المكان ده غير لما أعرف الحقيقة».هزت راسها وهي بتعيط، وبعدها قالت جملة خلتني أحس إن الدنيا كلها بتلف بيا: «إنت مش فاهم يا أحمد…
اللي تحت الأرض دي مش المفروض يكون عايش لحد دلوقتي».وفي اللحظة دي، جه صوت خبط عنيف من تحت رجلينا، وبعده سمعنا صوت طفل ضعيف بينادي: «بابا…» شهقت وأنا ببص للأرضية، وملك صرخت من الفرحة والخوف: «ده يوسف!
والله ده صوت يوسف!» لكن قبل ما أتحرك ناحية المكان اللي جه منه الصوت، نسرين مسكت دراعي بقوة، وبصتلي بعينين مليانين رعب وقالت: «لو فتحت الأرضية دي يا أحمد، إنت مش هتكتشف بس مكان ابنك…
إنت هتعرف مين اللي أخفاه عنك طول الأربعتاشر شهر اللي فاتوا، وساعتها مش هتقدر تبص لأي حد في عيلتنا بنفس الطريقة تاني». شدّيت دراعي من إيدها، وبصيت ناحية الأرضية اللي تحتها ابني، وبعدين رجعت بصيتلها.«ابني تحت رجلي، وإنتِ لسه بتفكري في أسرار العيلة؟
.. بسرعة… قبل ما هي ترجع!» وقفت مكاني. هي مين؟وقبل ما أقدر أنطق السؤال، جالي صوت خطوات سريعة من الدور اللي فوق، وبعدها صوت باب بيتفتح بعنف. نسرين رفعت راسها ناحية السلم، ولأول مرة شفت الرعب الحقيقي في عينيها. همست وهي بتتراجع لورا: «يا نهار أسود.