في يوم من الايام
الحب الحقيقي بيبان وقت الخوف، وقت ما يكون لازم تختار بين راحتك وبين إنك تحمي حد ضعيف محتاجك. ومنى فضلت فترة طويلة بتحاول تصلح اللي تقدر عليه. ما رجعتش حياتنا زي الأول، وما كانش فيه طريق سهل يمسح اللي حصل، لكننا اتفقنا إن يوسف وملك مش هيشيلوا مسؤولية قرارات الكبار، وإن أي خطوة في علاقتنا لازم تكون مبنية على الأمان والصدق، مش على الخوف أو الضغط.
في يوم، بعد حوالي سنة من رجوع يوسف، كنت قاعد في الصالون بقرأ كتاب، وملك بتلعب بالعرايس على الأرض، ويوسف بيبني برج بالمكعبات جنب الشباك. فجأة، ملك حطت ودنها على الأرضية، وغمضت عينيها. قلبي اتقبض للحظة، والكتاب وقع من إيدي.
«ملك؟ حبيبتي، بتعملي إيه؟» رفعت راسها وبصتلي، وبعدها ضحكت. «بسمع صوت النمل يا بابا». يوسف انفجر في الضحك، وأنا فضلت باصصلها ثواني قبل ما أضحك معاهم. لكن بعد لحظات، يوسف قام من مكانه، وجالي، وحط إيده الصغيرة على كتفي.
«بابا، إنت لسه بتخاف لما نسمع صوت من تحت؟» بصيتله بصراحة. «أيوه يا حبيبي، ساعات بخاف». فكر شوية، وبعدين قال: «بس المرة دي إحنا كلنا فوق، ومفيش حد لوحده». الكلام ده كان كفاية يخليني أحضنه وأغمض عيني. كان عنده تسع سنين، لكنه فهم حاجة ناس كتير أكبر منه ما فهموهاش.
إن أصعب حاجة في العالم مش إنك تقع في الظلام، لكن إنك تحس إن محدش هيسمعك وأنت بتنادي. وإن أجمل حاجة مش إنك تخرج من المكان المظلم وبس، لكن إنك تلاقي ناس مستعدين يسمعوك، ويصدقوك، ويفضلوا جنبك لحد ما تقدر تقف على رجليك من جديد.
في الليلة دي، قبل ما يوسف ينام، دخلت أوضته، ولقيته حاطط العربية الصغيرة على الكومودينو، وصورته مع ملك جنبها. قعدت على طرف السرير، وسألته: «مبسوط يا يوسف؟» ابتسم وقال: «أيوه يا بابا». «إيه أكتر حاجة مبسوط بيها؟» فكر شوية، وبعدين قال: «إني لما بخاف، بلاقيك جنبي».
حسيت إن كل الوجع اللي عشته خلال الأربعتاشر شهر اللي فاتوا اتجمع في اللحظة دي، لكنه المرة دي ما كانش وجع بس. كان امتنان، وحب، وراحة، وإحساس إننا أخيرًا بنرجع نعيش. بسته على راسه، وطفيت النور، وسِبت الباب موارب زي ما كان بيحب.
وقبل ما أخرج، سمعت صوته بيناديني: «بابا؟» رجعتله. «عيونه يا حبيبي». ابتسم ابتسامة هادية وقال: «تصبح على خير». ابتسمتله ورديت: «وإنت من أهله يا قلب أبوك». خرجت من الأوضة، ولقيت ملك مستنياني في الممر، فشيلتها بين إيديا، وروحنا نقعد مع بعض شوية قبل النوم.