في يوم من الايام

لكن الأيام عدت، وبعدها الأسابيع والشهور، والسؤال بدأ يقل واحدة واحدة. مش لأنها نسيت أخوها، لكن يمكن لأنها بدأت تحس إن مفيش حد عنده إجابة تطمن قلبها الصغير. أما أنا، فعمري ما بطلت أستناه. أختي الكبيرة نسرين كانت واحدة من الناس اللي وقفوا جنبنا في الفترة الصعبة دي.

كانت بتبعتلنا أكل لما منى ما تبقاش قادرة تدخل المطبخ، وتيجي تقعد معانا بالساعات، وتروح معايا أحيانًا لما يكون عندنا مقابلة مع ضباط المباحث. وكانت دايمًا تحاول تقنعني إني أخرج أنا ومنى وملِك من جو الحزن اللي عايشين فيه.

من حوالي شهر، نسرين خلصت تشطيب بيتها الجديد في مدينة الشروق، وكانت فرحانة بيه جدًا. بيت واسع في كمبوند هادي، حواليه جنينة صغيرة، وشبابيك كبيرة بتدخل الشمس، وأثاث جديد اختارته بنفسها بعناية شديدة. كانت مصممة إننا نزورها، وقالتلي أكتر من مرة: «يا أحمد، إنت ومنى وملك محتاجين تغيروا جو.

تعالوا اقعدوا عندي يومين، يمكن ملك تلعب وتفك عن نفسها شوية، وإنت كمان تبعد عن الضغط اللي إنت فيه».وافقت في الآخر، مش لأني كنت مقتنع إن تغيير المكان هيحل أي حاجة، لكن عشان ما كنتش عايز أكسر بخاطر أختي.

نسرين طول عمرها بتحب كل حاجة تبقى مظبوطة قدام الناس. بيتها لازم يبقى نضيف بشكل مبالغ فيه، هدومها متناسقة، وكل حاجة في مكانها، حتى المخدات اللي على الكنبة كانت بتقعد تعدل فيها كل شوية لو حد حركها.

كنا دايمًا بنهزر معاها على الموضوع ده، وكانت تضحك وتقول إن دي طبيعتها وإنها بتحب النظام. ولا مرة خطر على بالي إن اهتمامها المبالغ فيه بشكل بيتها ممكن يبقى له أي علاقة بسر خطير. لحد يوم السبت ده.

حطيت فنجان القهوة على الترابيزة، ونزلت على ركبتي جنب ملك. مسحت على شعرها وقلت بهدوء: «حبيبتي، إنتِ متأكدة إنك سمعتي صوت يوسف؟ يمكن يكون صوت مواسير الميه أو حاجة في البيت».هزت راسها بسرعة، وعينيها كانت ثابتة على الأرض.

«لأ يا بابا، ده صوت يوسف. أنا عارفاه كويس».قربت منها أكتر وسألتها: «طب هو قالك إيه؟» بلعت ريقها، وبعدين همست: «قال إنه بردان يا بابا… وإنه عايز يطلع فوق».حسيت بقشعريرة جرت في جسمي كله.

الكلام اللي قالته كان غريب ومخيف، خصوصًا إنها نطقته بثقة طفلة مش بتحاول تألف حكاية، لكن مقتنعة إنها سمعت حاجة فعلًا. قبل ما أقدر أسألها أي سؤال تاني، سمعت صوت خطوات جاية من ناحية المطبخ.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *