كل الناس اتريقوا
الست اللي وصلت للقرية ومعاها 180 جنيه بس، فتحولت لواحدة من أنجح أصحاب المشروعات الصغيرة في المنطقة.
التحول اللي حصل في حياتها كان كبير لدرجة إن جريدة محلية نشرت تقريرًا عنها.
وكان عنوان التقرير
من إنقاذ البيض المتروك إلى بناء مشروع زراعي ناجح.
في الصباح ده، مريم لقت الجريدة على مكتبها.
عم حسن هو اللي جابهالها.
ضحك وقال
أهو بقيتي مشهورة يا ست مريم!
ابتسمت وردّت
أنا كل اللي يهمني إني بقيت أعرف أدفع الفواتير من غير ما أخاف.
عم حسن أشار للصورة الموجودة في الجريدة.
فاكرة لما كانوا بيتريقوا عليكي؟
مريم بصّت للصورة.
كانت واقفة قدام الحظائر الجديدة، لابسة قميص بسيط وجزمة عليها آثار الطين.
قالت
فاكرة كل حاجة.
سألها
طب مش نفسك تثبتي لهم إنهم كانوا غلطانين؟
مريم طوت الجريدة بحرص وقالت
أعتقد إنهم عرفوا ده خلاص.
زيارة ما كانتش مريم تتوقعها أبدًا
في عصر يوم من أيام الخريف، عربية قديمة وقفت قدام البوابة الرئيسية للمزرعة.
مريم كانت بتراجع شوية أوراق في المكتب، لما المساعدة بتاعتها دخلت وقالت
فيه ست بتسأل عليكي يا أستاذة مريم، وبتقول إنها أمك.
قلب مريم دق بسرعة.
كان بقالها أكتر من سنة ما شافتش الحاجة
فاطمة.
لما خرجت، لقت أمها واقفة جنب العربية.
كانت باينة أصغر من سنها، وملامح التعب واضحة على وشها.
معطفها كان قديمًا، وشنطتها ماسكاها بإيديها كأنها خاېفة تضيع منها.
قالت بصوت متردد
إزيك يا بنتي؟
مريم قربت منها ببطء.
أهلًا يا أمي.
فضلوا واقفين ثواني من غير ما حد فيهم يعرف يقول إيه.
الحاجة فاطمة بدأت تتأمل المباني، وعربيات الشغل، والعمال اللي بيتحركوا بين الحظائر.
قالت بدهشة
ما كنتش أعرف إنك بنيتي كل ده.
مريم ردّت
أخد وقت ومجهود كبير.
أمها نزلت عينيها وقالت
أقدر أتخيل.
مريم دخلتها المكتب، وقعدوا سوا.
الحاجة فاطمة رفضت القهوة، لكنها وافقت تشرب كوباية ميه.
كانت إيديها بتترعش.
وبعد صمت طويل، قالت
أحمد خسر البيت.
مريم غمضت عينيها للحظة.
كانت خاېفة تسمع الخبر ده من سنين.
سألتها
وإنتِ بتعيشي فين دلوقتي؟
ردّت أمها
عند واحدة صاحبتي. وأحمد سافر لمحافظة تانية، وبيحاول يلاقي شغل.
وبدأت ټعيط.
قالت وهي بتمسح دموعها
أنا كنت فاكرة إني لما أضغط عليكي وتتنازلي عن أرضك، هقدر أساعده وأحمي العيلة. لكن الحقيقة إني كنت بفكر في إنقاذه هو وبس.
مريم فضلت ساكتة.
أمها كملت كلامها
إحنا طلبنا منك تضحّي بكل حاجة عندك. ولما رفضتي، عاملناكي كأنك مبقتيش بنتنا.
الدموع بدأت تنزل على هدومها.
وبصّت لمريم وقالت
سامحيني يا بنتي.
لأول مرة، ما كانش فيه طلبات ولا أوامر ولا تهديدات.
كانت فيه ست كبيرة بتعترف بالأڈى اللي تسببت فيه.
مريم حسّت إن حاجة كانت ضاغطة على قلبها بدأت تهدى.
قربت من أمها ومسكَت إيديها.
قالت بصوت مخڼوق
وحشتيني أوي يا أمي.
الحاجة فاطمة اڼفجرت في العياط.
وإنتِ كمان وحشتيني يا حبيبتي.
مريم حضنتها.
ما وعدتهاش بفلوس، وما قالتلهاش إنها هتحل كل المشاكل اللي أحمد تسبب فيها.
لكنها وعدتها إنها هتساعدها تلاقي سكنًا مناسبًا على قد إمكانياتها، وإنها هتقف جنبها علشان ترتّب أمورها المادية.
وقالت لها بوضوح
أنا عايزة نرجع نبقى قريبين من بعض يا أمي، بس مش عايزة حبي ليكي يبقى مقياسه قد إيه أنا مستعدة أدفع فلوس أو أتنازل عن حقي.
الحاجة فاطمة هزّت راسها وقالت
فهمت يا بنتي.
الكلام ده ما محاش اللي فات، لكنه فتح بابًا لعلاقة جديدة، مبنية على الاحترام بدل الضغط والابتزاز.
اعتراف أحمد اللي مريم كانت مستنياه
بعد كام شهر، أحمد ظهر في المزرعة.
المرة دي، جه لوحده.
ما كانش راكب عربية فخمة زي المرة اللي فاتت.
كان لابس هدوم شغل، ووشه باين عليه إنه كبر عشر سنين في شهور قليلة.
مريم استقبلته في