كل الناس اتريقوا
غروب الشمس، الضيوف بدأوا يمشوا.
الحاجة فاطمة كانت بتساعد في جمع الترابيزات، وعم حسن بيتكلم مع العمال، ومريم مشيت لوحدها ناحية الجزء القديم من الأرض.
هناك، كان الكوخ الصغير اللي عاشت فيه أول شهور لسه موجودًا.
هي رمّمته، لكنها احتفظت ببابه الأصلي.
وجواه، على رف صغير، كانت محتفظة بثلاث حاجات.
صورة لعمها.
والظرف الأول اللي كتبت عليه شغلي… ومستقبلي.
وعلبة معدنية قديمة كانت استخدمتها وهي بتلم البيض من على الطريق.
مريم مسكت العلبة بين إيديها.
كانت مصدية، وفيها خبطة من الجنب، ولسه عليها بقعة صغيرة ما قدرتش تشيلها مهما حاولت.
افتكرت اليوم ده بكل تفاصيله.
الشاحنة وهي بتبعد.
ضحك الجيران.
الطين اللي كان مغطي رجليها لحد الركبة.
البيض المكسور اللي محدش كان عايزه.
والست اللي ما كانش معاها غير 180 جنيه، لكنها لسه كانت محتفظة
بالشجاعة اللي تخليها تحاول تبدأ من جديد.
وفجأة، سمعت صوت إوزة بتصيح وراها.
كانت أمل.
أول إوزة خرجت من الشحنة المتروكة، وكبرت وبقت عجوزة، وبتتحرك ببطء في ساحة الكوخ.
مريم انحنت وربّتت على ريشها برفق.
وهمست لها
شوفي عملنا إيه يا أمل!
من بعيد، أنوار المزرعة بدأت تنور واحدة ورا التانية.
العمال كانوا بيخلصوا يومهم، والمباني الجديدة انعكست صورتها على مياه المستنقع الهادية.
الأرض اللي زمان محدش كان عايز يشتريها، بقت قلب مشروع ناجح.
مريم وصلت لأمان مادي أكبر بكتير من اللي كانت يومًا تتخيل إنها ممكن توصله.
لكن لما كانت بتفكر في أغلى ثروة امتلكتها، ما كانتش بتفكر في رصيد البنك.
كانت بتفتكر اليوم اللي قدرت فيه تبص لأخوها في عينيه وتقول له لأ.
والليلة اللي عم حسن وصل فيها بالمولّد وسط المطر.
وأول فرخ إوز خرج من قشرته.
والعمال اللي بقوا قادرين يصرفوا على أسرهم بفضل المزرعة.
والأهم من كل ده، إحساسها بالراحة وهي عارفة إن مستقبلها ما بقاش متوقفًا على رضا أي حد عنها.
قبل ما ترجع لبيتها، بصّت مريم للمستنقع مرة أخيرة.
لسنين طويلة، الناس اعتبرت الأرض دي مالهاش أي فايدة.
وزي ما شافوا البيض المتروك على الطريق مجرد مخلفات، شافوا أحلام مريم كأنها حاجة بلا قيمة.
وفي الحالتين، كانوا غلطانين.
لأن أحيانًا الحاجة اللي الدنيا كلها بتعتبرها بلا قيمة، ما بتكونش فعلًا بلا قيمة؛ هي بس بتقع في إيد ناس مش عارفين يشوفوا قيمتها الحقيقية.
والست اللي الناس اتريقت عليها يومًا لأنها لمّت 350 بيضة من على جانب الطريق، بقت واحدة من أنجح وأكتر الناس احترامًا في مجتمعها.
مش لأن كل بيضة اتحولت لدهب.
لكن لأنها امتلكت الشجاعة إنها تحافظ على فرصة، في الوقت اللي محدش غيرها كان قادر يشوفها.
تمت بحمد الله.