رجعت من القطر من غير ما اقول لحد
ما يسلّموا المفتاح أو الأصول لأي شخص.
المكتب كان في مبنى قديم، في الدور التالت، وبابه الخشبي عليه لافتة باهتة باسم شركة والدها السابقة.
أول ما دخلت لوسيا، رجعت لها ذكريات طفولتها.
افتكرت أبوها وهو قاعد ورا المكتب، والنظارة على طرف مناخيره، وبيطلب منها تقعد جنبه وهي بتذاكر.
لكن الذكريات الحلوة اتقطعت لما شافت راجل كبير واقف عند الشباك.
لف الراجل ناحيتها وقال
إنتِ لوسيا؟
أيوه، حضرتك الأستاذ فؤاد؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
كنت أعرف والدك كويس. وكان نفسه اليوم ده ما يجيش، لكنه كان مستعد له.
فتح درج المكتب وطلع صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
لوسيا طلعت المفتاح النحاسي، وحطته في القفل.
لف المفتاح بسهولة.
جوا الصندوق كان فيه ثلاثة أظرف، ودفتر حسابات قديم، وصورة لوالدها مع مجموعة من الأشخاص في مناسبة رسمية.
فؤاد أشار للظرف الأول.
ده فيه مراسلات والدك مع البنك. والتاني فيه نسخ من معاملات حصلت بعد ۏفاته. أما التالت، فوالدك كتب عليه إنه ما يتفتحش غير لو ظهرت مشكلة تخص حقك.
لوسيا مدت إيدها للظرف التالت.
كان مكتوب عليه بخط والدها
إلى لوسيا… الحقيقة اللي لازم تعرفيها عن عيلتك.
فتحت الظرف بحذر.
جواه ورقة واحدة، مكتوبة بخط والدها، ومعاها شهادة ميلاد قديمة ونسخة من مستند قانوني.
قرأت أول سطر، وبعدها رفعت رأسها ناحية فؤاد بذهول.
هو إيه معنى الكلام ده؟
فؤاد رد
اقري الورقة للآخر، وبعدها هتفهمي ليه والدك طلب مني أحافظ عليها.
لوسيا كملت القراءة، وكل سطر كان بيكشف لها تفصيلة ما تعرفهاش عن تاريخ عيلتها.
والدها كان قد دخل شريكًا في مشروع تجاري قبل ولادتها بسنين، وبعد خلافات مالية، احتفظ بمستندات تثبت إن جزءًا من الأرباح والأصول لم تتم تسويته بالطريقة الصحيحة.
لكن الورقة ما كانتش بتتكلم عن الأموال بس.
في آخرها، والدها كتب
لو وصلتي للمستندات دي، ما تسمحيش لأي شخص يقنعك إن حقك مجرد مبلغ من المال. فيه ناس استخدمت ثقتنا، وفيه قرارات اتاخدت باسم العيلة من غير ما كل أصحاب الحقوق يعرفوا حقيقتهم.
لوسيا رفعت عينيها.
مين الناس دي؟
فؤاد فتح دفتر الحسابات القديم، وقلّب صفحاته لحد ما وصل لصفحة عليها علامة بالقلم الأحمر.
هنا فيه أسماء الأشخاص اللي تعاملوا مع المشروع، وتحت كل اسم توقيع وتاريخ.
لوسيا قربت من الصفحة.
كان فيه اسم والدها، واسم شريك قديم، واسم نوريا.
لكن اسم نوريا ما كانش مكتوب بصفتها قريبة للعيلة، ولا بصفتها صاحبة حق.
كان مكتوب جنب اسمها
الممثلة المفوضة عن مكتب الوساطة المالية.
لوسيا شهقت.
يعني نوريا كانت شغالة في مكتب بيتعامل مع حسابات بابا؟!
فؤاد هز راسه.
بحسب الأوراق، كانت بتشتغل في شركة خدمات مالية لفترة. وده ممكن يفسر إزاي وصلت لبعض المعلومات، لكنه ما يثبتش إنها ارتكبت أي مخالفة.
مارتا بدأت تصور الصفحات المهمة، وتسجل أرقام المستندات عشان تقدر تتحقق منها رسميًا.
لكن لوسيا كانت لسه بتفكر في حاجة تانية.
طيب، إيه علاقة سيرجيو بكل ده؟
فؤاد قفل الدفتر ببطء، وقال
دي النقطة اللي كنت متردد أتكلم فيها.
وبعدين طلع صورة تانية من درج المكتب.
كانت صورة قديمة لافتتاح مشروع تجاري، وفيها والد لوسيا واقف جنب شريكه، ونوريا في الخلفية.
لكن الشخص اللي واقف في أقصى الصورة، لابس بدلة رمادية، كان سيرجيو.
لوسيا بصت للصورة، وقربتها من عينيها.
ده سيرجيو؟!
فؤاد أومأ.
الصورة دي اتصورت قبل جوازكم بسنين. والدك كان دعاه للاجتماع بصفته ممثلًا عن شركة تانية، لكني ما أعرفش إذا كان وقتها على علم بالتفاصيل المالية للمشروع ولا لأ.
لوسيا حسّت إن عقلها مش قادر يستوعب كل المفاجآت دي.
سيرجيو ما كانش مجرد شخص ظهر في حياتها بعد ۏفاة والدها.
كان موجودًا في محيط الأعمال اللي والدها كان بيتعامل معاها، قبل ما لوسيا حتى تفكر في الجواز.
لكن هل كان يعرفها شخصيًا وقتها؟ وهل كان يعرف بوجود الحساب والأصول؟
قبل ما تسأل، رن تليفون المكتب.
فؤاد رد، وسمع الطرف التاني من غير ما يتكلم.
وفجأة، وشه اتغير.
قال بصوت متوتر
إنت متأكد من الكلام ده؟
سكت شوية، وبعدها أنهى المكالمة.
لوسيا سألته
فيه إيه؟
فؤاد بص لها وقال
البنك أكد استلام طلب رسمي لمراجعة التفويض اللي اتقدم باسمك. لكن فيه مشكلة… الطلب اتقدم من خلال عنوان إلكتروني مرتبط بشركة قديمة كانت بتتعامل مع والدك.
مارتا سألت بسرعة
اسم الشركة إيه؟
فؤاد كتب الاسم على ورقة، وناولها لها.
مارتا أول ما قرأته، اتغيرت ملامحها.
الشركة دي اتشالت من السجل التجاري من سنين! مين اللي بيستخدم بياناتها دلوقتي؟
فؤاد رد
ده اللي لازم نعرفه.
لوسيا رجعت بصت للصورة القديمة، وركزت على الشخص اللي واقف جنب سيرجيو.
كان ماسك ملفًا بنيًا عليه نفس العلامة المنقوشة على المفتاح.
وفي اللحظة دي، افتكرت الرسالة اللي وصلتلها من الرقم المجهول
اسألي أمك مين صاحب الخاتم اللي في إيد الراجل الواقف جنب أبوكي.
فتحت الصورة على موبايلها وكبّرتها، وركزت على إيد الرجل.
الخاتم كان واضحًا.
نفس العلامة بالضبط.
مارتا بصت للصورة، وقالت
لازم نعرف هو مين، لأن وجوده في الصورة ممكن يساعدنا نفهم علاقة الشركة القديمة بالمعاملات الحالية.
لكن قبل ما فؤاد يرد، سمعوا صوت خطوات عند باب المكتب.
الباب اتفتح، وظهر سيرجيو.
كان واقف ووشه متوتر، لكن عينيه كانت مركزة على الصندوق المعدني المفتوح.
قال بهدوء مصطنع
كنت عارف إنك هتيجي هنا يا لوسيا.
لوسيا وقفت، وضمّت الورق لصدرها.
إنت بتعمل إيه هنا؟
سيرجيو بص لفؤاد، وبعدها رجع بص لها.
أنا جاي أقولك إن فيه حاجة عن أبوكي محدش قالهالك لحد دلوقتي. حاجة لو عرفتيها، ممكن تخليكي تشكي في كل شخص وقف جنبك من يوم ما رجعتي.
مارتا وقفت بينه وبين المكتب وقالت
لو عندك معلومات، قولها بوضوح. لكن مفيش أي مستند هيتسلم ليك.
سيرجيو ما بصش لها حتى.
فضل مركز عينيه على لوسيا، وقال
الراجل اللي بتدوري على اسمه مش غريب عن عيلتك… ده الشخص اللي أبوكي اختاره بنفسه عشان يحافظ على حقك، وهو نفسه اللي وقّع على أول ورقة خلتك تخسري السيطرة على أصولك.
لوسيا حسّت إن الډم انسحب من وشها.
مين هو؟
سيرجيو فتح بقه عشان يرد، لكن في اللحظة دي فؤاد قام من مكانه وقال بصوت حاسم
إياك تكمل الكلام ده من غير ما نشوف المستند الأصلي! لأن الورقة اللي بتتكلم عنها أنا شفتها، والتوقيع الموجود عليها مش توقيع الشخص اللي إنت بتحاول تتهمه.
سيرجيو اتجمد مكانه.
ولأول مرة، بان عليه الخۏف الحقيقي.
لوسيا بصت من واحد للتاني، وفهمت إن الاتنين عارفين جزءًا من الحقيقة، لكن كل واحد بيحاول يخبي جزءًا مختلفًا.
وفجأة، موبايل مارتا اهتز برسالة من المستشفى.
كانت كارمن قد طلبت منها التواصل فورًا، وقالت للممرضة إنها افتكرت أخيرًا اسم الرجل اللي ظهر في الصورة القديمة.
اسم الرجل اللي كان بيزور والد لوسيا قبل ۏفاته.
واسم الشخص اللي سلّمه المفتاح الأصلي للخزنة.
لكن الرسالة انتهت بكلمات مقلقة
قولوا للوسيا ما تثقش في نسخة المفتاح اللي معاها… لأن أبوها كان عامل مفتاحين، والنسخة التانية اختفت ليلة ۏفاته.
لوسيا بصت للمفتاح النحاسي اللي في إيدها، وبعدها رفعت عينيها ناحية سيرجيو.
هو كان باصص للمفتاح بنفس النظرة اللي شافتها يوم اكتشفت وثيقة التأمين.
نظرة شخص عارف بالضبط هو بيفتح إيه…
يتبع…
لوسيا فضلت واقفة في مكانها، والمفتاح النحاسي في إيدها، وهي بتبص لسيرجيو اللي لأول مرة ما قدرش يخبي خوفه.
قالتله بصوت ثابت
أنا تعبت من الألغاز يا سيرجيو. عايزة الحقيقة كلها، دلوقتي!
سيرجيو حاول يتكلم، لكن مارتا قاطعته
قبل أي كلام، أحب أوضحلك إن المستندات اللي هنا اتصورت، وأي محاولة لإخفائها أو