رجعت من القطر من غير ما اقول لحد
وفتحته، فاتفاجئت براجل لابس بدلة رسمية، وورا منه ست في منتصف الأربعينات شايلة حقيبة مستندات.
الست عرّفت نفسها إنها موظفة من شركة التأمين، وقالت
مساء الخير، إحنا بندور على السيدة لوسيا سيرانو. وصلنا طلب مراجعة بخصوص وثيقة تأمين على حياتها، وفيه مشكلة خطېرة في المستندات.
لوسيا حسّت إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
وثيقة تأمين على حياتي؟ أنا ما عملتش أي تأمين!
الموظفة فتحت حقيبتها، وطلعت نسخة من الوثيقة.
إحنا عارفين، وعشان كده جينا بنفسنا. الوثيقة اتعملت باسم حضرتك، وفيها شخص تاني محدد باعتباره المستفيد من مبلغ التأمين.
لوسيا بصت للورقة، ولما شافت اسم المستفيد، رفعت عينيها ببطء ناحية سيرجيو.
كان هو الاسم المكتوب.
سيرجيو راموس، زوجها.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في اسمه، إنما في التاريخ اللي تحت توقيعها.
التاريخ كان سابق سفرها لقطر بأيام قليلة!
لوسيا همست
إزاي؟ أنا عمري ما شفت الورقة دي، ولا مضيت على أي تأمين!
الموظفة ردت بحذر
ده بالضبط سبب زيارتنا. كمان فيه مستندات اتقدمت لإثبات موافقتك، وإحنا محتاجين نتحقق من صحتها قبل ما نكمل أي إجراء.
سيرجيو حاول يخطف الورقة من إيدها، لكن الموظفة سحبتها بسرعة وقالت
من فضلك، ما تلمسش المستندات.
وفي اللحظة دي، كارمن نادت من جوه الأوضة
لوسيا… اسأليهم عن تاريخ التعديل! مش تاريخ إصدار الوثيقة بس!
كل الموجودين بصوا ناحية الأوضة.
لوسيا رجعت لأمها بسرعة، وقعدت جنبها على السرير.
ماما، إنتِ عرفتي منين موضوع التأمين؟ وإيه اللي حصل قبل ما أسافر؟
كارمن بلعت ريقها بصعوبة، وبعدها قالت
قبل سفرك بيومين، سيرجيو جه عندي ومعاه ورق، وقاللي إنك طلبتي منه يساعدك في تأمين مستقبلك ومستقبل الأولاد. ولما رفضت أصدقه، وراني صورة من توقيعك.
وإنتِ عملتي إيه؟
قلتله إن التوقيع مش توقيعك… وإنك مستحيل تمضي على ورق بالشكل ده من غير ما تقريه. ساعتها اتعصب، وأخد مني الموبايل.
لوسيا مسكت إيد أمها بحنان.
طب ليه ما قلتيليش؟
دموع كارمن نزلت على خدها.
حاولت يا بنتي… والله حاولت. بس كل مرة كنت بمسك فيها الموبايل، كانوا بياخدوه مني. ولما عرفت إنهم بيجهزوا ورق تاني، خبّيت اللي قدرت عليه تحت المرتبة.
سكتت لحظة، وبعدين بصت ناحية الباب پخوف.
بس فيه حاجة أخطر من وثيقة التأمين يا لوسيا…
لوسيا قربت منها أكتر.
إيه هي يا ماما؟
كارمن أشارت ناحية الملف وقالت
افتحي الظرف البني اللي جواه، واقري أول سطر في الورقة اللي عليه ختم البنك.
لوسيا فتحت الملف بإيدين مرتعشتين، وطلعت الظرف. جواه كان فيه كشف حساب، وصورة من تفويض بنكي، وورقة عليها تاريخ مختلف عن تاريخ الوثيقة.
أول سطر خلاها تحس إن نفسها اتسحب منها
طلب نقل ملكية وإدارة الحسابات والأصول المالية للسيدة لوسيا سيرانو، بناءً على تفويض قانوني صادر منها.
لكن لوسيا عمرها ما عملت التفويض ده!
والأغرب إن الورقة كانت بتشير إلى حساب قديم باسم والدها المتوفى، حساب كانت فاكرة إنه اتقفل من سنين، وما كانش يعرف بوجوده غيرها هي وأمها.
رفعت رأسها ناحية سيرجيو، وسألته
إنت عرفت منين حساب بابا؟!
سيرجيو ما ردش.
نوريا بدأت ترجع ناحية السلم خطوة خطوة، لكن موظفة التأمين لاحظت حركتها وقالت
لو سمحتي، إحنا محتاجين نعرف إنتِ علاقتك بالمستندات دي إيه.
نوريا ردت بسرعة
أنا ماليش دعوة بأي حاجة!
لكن موبايلها وقع من إيدها على الأرض، والشاشة نورت على رسالة مفتوحة من رقم محفوظ باسم المحاسب.
لوسيا لمحت أول سطر قبل ما نوريا تلحق تقفل الشاشة
اتأكدوا إن لوسيا ما تعرفش إن الحساب لسه مفتوح، لأن التحويل الأخير هيكشف كل حاجة…
لوسيا رفعت عينيها ببطء.
أي تحويل أخير يا نوريا؟ وإيه اللي إنتوا بتحاولوا تخبوه عني؟
نوريا انحنت بسرعة عشان تاخد الموبايل، لكن صوت جرس الباب رن للمرة التانية.
المرة دي، كان صوت خبطات قوية ورا الباب، وصوت راجل بيقول بوضوح
الشرطة! افتحوا الباب!
سيرجيو بص لنوريا، ونوريا بصتله، وفي ثانية واحدة لوسيا فهمت إن وصول الشرطة ما كانش المفروض يحصل بالسرعة دي بالنسبة لهم.
لكن قبل ما حد يتحرك، كارمن مسكت إيد بنتها بكل قوتها، وهمست لها بكلمات خلت لوسيا تبص ناحية الشباك بړعب
لوسيا… لو سألوكي عن اللي حصل ليلة ما سافرتي قطر، ما تصدقيش أي رواية تسمعيها منهم. أبوكي سابلك سرًّا، وسيرجيو كان عارف بوجوده من قبل ما يتجوزك!
يتبع…
أول ما لوسيا سمعت كلام أمها، حست إن كل حاجة كانت فاكراها عن جوازها وحياتها طلعت مجرد كڈبة كبيرة!
بصت لكارمن بذهول وقالت
بابا سابلي سر إيه يا ماما؟ وإزاي سيرجيو يعرف عنه وأنا نفسي ما أعرفش؟!
كارمن حاولت تتكلم، لكن صوتها كان ضعيف جدًا، فمسكت إيد بنتها وضغطت عليها وهي بتقول
أبوكي قبل ما ېموت بشهور، جه عندي وسلّمني مفتاح صغير، وقاللي ما أديهوش ليكي غير لما أتأكد إنك بقيتي في أمان. ولما سيرجيو عرف بوجود المفتاح، بدأ يسألني عنه، وبعدها كل حاجة اتغيرت.
لوسيا بصت ناحية سيرجيو، اللي كان واقف عند الباب ووشه اتبدل تمامًا.
مفتاح إيه؟! سألته بحدة. إنت كنت بتدور على حاجة عند أمي؟
رد بعصبية مصطنعة
إنتِ هتصدقي الكلام ده؟ الست تعبانة ومش فاهمة هي بتقول إيه!
لكن المرة دي، لوسيا ما اترددتش.
الغريب إنك كل ما أمي تتكلم عن حاجة تدينك، تقول إنها مش فاهمة!
في اللحظة دي، خبط الباب زاد، وسيرجيو اضطر يفتح.
دخل اتنين من رجال الشرطة، ومعاهم ضابط طلب من الجميع يفضلوا في أماكنهم لحد ما يفهموا حقيقة البلاغ.
لوسيا سلّمتهم تسجيلات الموبايل، وصور المستندات، وشرحت لهم إزاي لقت أمها محپوسة ومقيّدة في الأوضة، وإزاي اكتشفت أوراق التأمين والتفويض البنكي.
الضابط طلب الإسعاف فورًا عشان كارمن تتفحص، وبعدها بدأ يسأل كل واحد لوحده عن اللي حصل.
سيرجيو حاول يبرر اللي عمله، وقال إن كارمن كانت بتتحرك پعنف أحيانًا وإنهم اضطروا يمنعوها من الحركة عشان ما تأذيش نفسها.
لكن لما المسعف كشف على معصميها، ظهرت آثار واضحة، ولما فحصوا الأوضة، لقوا إن مفيش أي وسيلة مناسبة لاستدعاء المساعدة من السرير.
الضابط بص لسيرجيو وقال بصرامة
ده مش معناه إنك تحميها. إحنا هنحقق في كل حاجة، بما فيها الفلوس اللي كانت بتتبعت لمصاريف علاجها.
لوسيا نزلت عينيها للأرض.
تلات سنين تقريبًا وهي بتشتغل ساعات طويلة في قطر، وتوفّر من أكلها وراحتها عشان أمها تعيش بكرامة.
كانت بتفتكر إن كل تحويل بتبعته بيوفّر لأمها علاجًا أفضل، بينما هي نفسها كانت بتعيش على قدّ الضرورة.
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه مستخبية في الورق.
بعد ما الإسعاف نقل كارمن للمستشفى، لوسيا ركبت معاها، وفضلت ماسكة إيدها طول الطريق.
كانت أمها بتبص لها كل شوية، وكأنها لسه مش مصدقة إن بنتها رجعت فعلًا.
لوسيا قربت منها وقالت
حقك عليّا يا ماما. أنا كان لازم أرجع من أول مرة حسيت إن فيه حاجة غلط.
كارمن هزت راسها وقالت
إنتِ ما كنتيش تعرفي يا حبيبتي. هما كانوا بيورّوكي اللي عايزينك تشوفيه، وبيخبّوا عنك الباقي.
وبعد لحظات من الصمت، سألتها لوسيا
المفتاح اللي بابا سابهولك… لسه معاكي؟
كارمن بصت حواليها بتوتر، وبعدها همست
أيوه. خبّيته في مكان ما حدش يقدر يوصله بسهولة.
فين؟
كارمن ترددت شوية، وبعدين قالت
في علبة الخياطة القديمة اللي كانت عند خالتك. بس اسمعيني كويس… المفتاح لوحده مش كفاية. لازم تلاقي الورقة اللي أبوكي كتبها بإيده.
لوسيا استغربت.
ورقة إيه؟
أبوكي كان عارف إن فيه ناس ممكن تحاول تستولي على حقك بعد مۏته. عشان كده كتب أسماء،