اول يوم ليا في شغلي

الصفحة، وقرأت الاسم المكتوب تحت البند.
وبعدين رفعت عيني ليا، وملامحها اتغيرت.
داليا… إنتي لازم تقري الاسم بنفسك.
بصيت للورقة.
كان مكتوب
الوكيل أحمد عز الدين.
رجعت ضهري للكرسي، وحسيت إن كل الخيوط بتتقفل حوالين نفس الشخص.
أحمد كان عنده صلاحيات متعلقة باستثمار باسم أبويا، وفيه مستندات اتقدمت باسمي، وفيه فلوس اتحركت من غير علمي.
لكن السؤال اللي فضل يطاردني هل بابا كان عارف إن أحمد ممكن يستخدم الصلاحيات دي بالشكل ده؟ ولا أحمد استغل ثقة أبويا فيه؟
نسمة قالت بصوت واطي
فيه كمان اسم شخص تاني في الملحق، بس المحامي رفض يشرحلي التفاصيل قبل ما يشوف الأصل.
مين الشخص التاني؟
فتحت الصفحة الأخيرة، وأشارت للسطر الموجود تحت توقيع أحمد.
كان فيه اسم مكتوب، وتحته توقيع مختلف.
نهى رضوان.
حسيت إن دماغي وقفت.
نفس نهى اللي ساعدتني أراجع التحويلات!
بس المرة دي، قررت إني مش هحكم عليها من مجرد اسم في ورقة. لازم أعرف هي موقعة بصفتها إيه، وهل التوقيع صحيح، وهل المستند أصلًا سليم.
شكرت نسمة، وطلبت منها تحتفظ بنسختها الأصلية في مكان آمن، وتسيب مراجعة المستندات للمحامي.
وقبل ما تمشي، وقفت عند الباب وقالتلي
داليا، أنا عارفة إنك عندك كل الأسباب اللي تخليكي تكرهيني، بس صدقيني، أنا كمان اتضحك عليا. ولو فيه أي حاجة أقدر أعملها عشان الحقيقة تظهر، هعملها.
بصيتلها وقلت
أنا مش هحكم عليكي دلوقتي. الحقيقة هي اللي هتحدد كل واحد مسؤول عن إيه.
خرجت نسمة، وأنا فضلت باصة للعقد.
بعد الشغل، روحت بيت أمي.
فتحتلي الباب، ولما شافتني حضنتني جامد، وبعدها قعدتني جنبها وسألتني
خير يا بنتي؟ إيه الموضوع اللي شاغل بالك؟
فضلت باصة لوشها شوية، وبعدين طلعت صورة العقد من شنطتي.
أول ما شافت اسم أبويا، لون وشها اتغير.
إيديها بدأت ترتعش، وحطت الصورة على الترابيزة بسرعة.
قلت لها بهدوء
ماما، إنتي تعرفي إيه عن استثمارات بابا القديمة؟
حاولت تبتسم، لكن ابتسامتها كانت باهتة.
أبوكي كان بيشتغل ويتاجر، وكان عنده حاجات كتير أنا مكنتش بتدخل فيها.
طب تعرفي إن أحمد كان وكيل عن بابا في استثمار قديم؟
رفعت عينيها ليا فجأة.
أحمد؟!
أيوه يا ماما. وعارفة كمان إن فيه فلوس اتحولت من حساب بابا، وإن اسمي اتكتب على مستندات أنا ممضيتش عليها.
حطت إيديها على صدرها، وسكتت.
وبعدين قالت جملة خلتني أتأكد إن الرسالة المجهولة مكانتش مجرد محاولة لتخويفي
يا داليا، أنا كنت بدعي إن اليوم ده ميوصلش أبدًا.
قربت منها.
يعني إنتي عارفة حاجة؟
دموعها بدأت تنزل، وهزت راسها ببطء.
قبل ما أبوكي يتوفى بشهر، جه البيت في يوم متأخر، وكان معاه ظرف بني كبير. طلب مني أحافظ عليه، وقاللي لو حصل له أي حاجة، أسلمهولك بنفسه لما تكبري وتبقي قادرة تحمي حقك.
قلبي اتقبض.
والظرف فين يا ماما؟
قامت من مكانها، ودخلت أوضتها، وبعد دقائق رجعت وهي شايلة صندوق خشب صغير.
فتحته بمفتاح كانت محتفظة بيه في سلسلة رقبتها.
جوه الصندوق كان فيه صور قديمة، وشهادات ميلاد، وأوراق ملكية، وفي القاع ظرف بني متقفل بالشمع.
على الظرف، بخط أبويا، كانت مكتوبة جملة واحدة
إلى ابنتي داليا… لا يُفتح إلا إذا حاول أحد التصرف في حقها من غير علمها.
حسيت إن عيني دمعت.
ده كان نفس الظرف اللي بابا اتكلم عنه قبل ۏفاته، واللي كنت بدور عليه من سنتين.
مديت إيدي آخده، لكن أمي مسكت إيدي وقالت
استني يا بنتي. فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تفتحيه.
بصيتلها بقلق.
قالت وهي بتحاول تتمالك نفسها
أبوكي مكنش خاېف على فلوسك بس. كان خاېف من الشخص اللي ائتمنه على الورق.
سألتها
تقصدي أحمد؟
هزت راسها ببطء.
في الأول، أبوكي كان واثق فيه جدًا. لكن قبل ۏفاته بأسابيع، اكتشف إن فيه مستندات اتغيرت من غير إذنه، وإن حد حاول يستخدم توكيل قديم بطريقة مختلفة عن الغرض اللي اتعمل عشانه.
حسيت إن جسمي كله اتشد.
وعمل إيه بابا؟
أمي بصت للظرف وقالت
جهز ورق جديد، وغيّر تعليمات التصرف في جزء من ممتلكاته. لكنه كان مستني يقابل محاميه ويسجل التعديلات رسميًا.
ولحق يعمل كده؟
أمي سكتت طويلًا.
وبعدين قالت
ده اللي عمري ما عرفت إجابته.
في اللحظة دي، تليفوني رن.
كان رقم مجهول.
رديت، وسمعت صوت راجل كبير في السن بيقول
أستاذة داليا رضوان؟
أيوه، مين حضرتك؟
أنا المستشار القانوني اللي كان بيتابع استثمارات والدك، الأستاذ محمود رضوان، الله يرحمه. وصلتني معلومة إنك بدأتي تراجعي بعض المستندات القديمة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
حضرتك تعرف حاجة عن الظرف اللي بابا سابهولي؟
سكت لحظة، وبعدين قال
أيوه، وأنا كنت فاكر إن الظرف ده اختفى للأبد. لكن فيه مشكلة أكبر لازم نتكلم فيها وجهًا لوجه.
مشكلة إيه؟
قال بصوت جاد
في السجلات اللي عندي، فيه وصية ملحقة بمستندات والدك، وبتحدد مصير جزء كبير من ممتلكاته. لكن النسخة اللي اتقدمت بعد ۏفاته مختلفة عن النسخة اللي راجعتها معاه بنفسه.
حسيت إن أمي مسكت إيدي بقوة.
سألته
مختلفة إزاي؟
رد
النسخة اللي عندي بتقول إن فيه شرط لازم يتحقق قبل ما أي شخص يقدر يتصرف في الأصول دي. والشرط ده، على حد علمي، محدش قدر يثبته لحد النهارده.
وإيه هو الشرط؟
قبل ما يجاوب، سمعته بيقول
داليا، إنتي لازم تعرفي إن أبوكي كان عامل حسابه لاحتمال إن حد يحاول يستغل التوكيل القديم. وعشان كده، ساب دليل منفصل عن كل العقود.
دليل فين؟
قال
في مكان آمن، لكن مش هقدر أقولك التفاصيل في التليفون. تعالي مكتبي بكرة الساعة عشرة، وهشرحلك كل حاجة بعد ما أتأكد من هويتك وأراجع المستندات الأصلية.
وقبل ما يقفل، قال
وخدي بالك من حاجة مهمة جدًا متواجهيش أي حد باسم الوصية دي قبل ما نتأكد من النسخة الأصلية.
قفلت المكالمة، وبصيت لأمي.
كانت بټعيط في صمت.
فتحت الظرف البني بحذر، ولقيت جواه خطاب بخط أبويا، وصورة قديمة ليه وهو واقف قدام مبنى إداري، وورقة صغيرة مكتوب عليها رقم ملف وتاريخ.
لكن اللي شد انتباهي فعلًا كان آخر سطر في الخطاب
لو وصلتي للمرحلة دي، يبقى الشخص اللي وثقت فيه بدأ يتحرك في ممتلكاتك. مټخافيش من الورق اللي هتلاقيه، لأن الحقيقة مش في التوقيع اللي ظاهر… الحقيقة في الشخص اللي كان حاضر ساعة كتابة المستند الأصلي.
قرأت الجملة مرتين.
وبعدين قلّبت الخطاب، ولقيت على ظهره اسم شخص وتاريخًا.
التاريخ كان قبل ۏفاة أبويا بأسبوع واحد.
أما الاسم…
فكان اسم الشخص اللي شهد على توقيع أبي في المستند الأصلي.
ولما شفت الاسم، اكتشفت إن الشاهد ده مش محامي، ولا شريك في الاستثمار، ولا حتى واحد من معارف بابا… ده شخص من عيلة أحمد نفسها!
يتبع…
فضلت باصة للاسم المكتوب على ظهر الخطاب، وحاسة إن قلبي هيخرج من مكانه.
عز الدين محمود عز الدين.
اسم والد أحمد!
أبو أحمد كان هو الشاهد على المستند الأصلي اللي بابا كتبه قبل ۏفاته بأسبوع!
بصيت لأمي وقلت پصدمة
ماما، هو بابا كان يعرف أبو أحمد من قبل ما أتجوز أحمد؟
أمي مسحت دموعها، وسكتت شوية قبل ما ترد
أيوه يا داليا. أبوكي كان يعرفه من سنين طويلة، وكان بينهم شغل قديم. بس أنا مكنتش أعرف تفاصيله، لأن أبوكي كان بيعتبر إن دي أمور مالية تخصه هو.
طب ليه عمره ما حكالي عن الموضوع ده؟
يمكن لأنه كان عايز يحميكي من مشاكل ملهاش ذنب فيها، أو يمكن لأنه اكتشف حاجات مكنش عايزك تعرفيها غير لما يكون عندك دليل واضح.
مسكت الخطاب تاني، وبدأت أراجع كل كلمة فيه.
بابا كان كاتب إنه لازم أراجع النسخة الأصلية، وإن فيه شاهد حضر بنفسه وقت توقيع المستند.
لكن ليه أبو أحمد بالذات؟
وهل هو كان عارف إن ابنه بيستخدم الأوراق دي؟
ولا هو نفسه كان طرف في الموضوع من البداية؟
قررت إني مش هفضل أسيرة التخمينات.
حطيت الخطاب والصورة في ملف، واحتفظت بيهم، وقلت لأمي
بكرة هروح للمستشار القانوني، وهعرف الحقيقة من مصدرها.
أمي مسكت إيدي وقالت
يا بنتي، أنا خاېفة عليكي.
ابتسمت بحزن.
وأنا كمان يا ماما، بس الخۏف مش هيرجعلي حقي. لازم أعرف بابا كان بيحاول يحميني من إيه.
تاني يوم، وصلت مكتب المستشار القانوني قبل المعاد بعشر دقايق.
كان راجل كبير في السن، اسمه الأستاذ فؤاد، وملامحه هادية، لكن أول ما شاف الخطاب اللي معايا، طلب من السكرتيرة تقفل الباب.
قال وهو بيبص للورق
كنت متوقع إنك هتيجي في يوم من الأيام، بس مكنتش أتمنى إنك تيجي بالطريقة دي.
قعدت قدامه وسألته
حضرتك كنت تعرف إن أحمد بيستخدم مستندات باسمي؟
رد بحذر
أنا مقدرش أتهم حد قبل ما أراجع الأوراق، لكن والدك طلب مني قبل ۏفاته أحتفظ بنسخة من بعض المستندات، لأنه كان عنده شك إن فيه تعديلات بتحصل من غير موافقته.
تعديلات في إيه؟
فتح درج مكتبه، وطلع ملف قديم عليه ختم مكتب المحاماة.
في البداية، كان فيه استثمار عقاري وتجاري مشترك بين والدك ومجموعة من المستثمرين. أحمد دخل في الإدارة بعد كده، وكان معاه توكيل محدد الصلاحيات.
يعني بابا كان شريك في مشروع أحمد؟
مش بالضبط. والدك كان صاحب حصة مالية مستقلة، وكان فيه شروط واضحة تمنع استخدام حصته ضمانًا لالتزامات أي شركة تانية من غير موافقة مكتوبة منه.
حسيت إن الصورة بدأت توضح.
وده معناه إن أحمد مكنش من حقه يستخدم الفلوس دي في فيرتكس؟
الأستاذ فؤاد رفع إيده بهدوء.
ده اللي لازم نتحقق منه. لازم نعرف مصدر كل مبلغ، وطبيعة التوكيل، والمستندات اللي اتقدمت للبنك. لكن لو فيه تجاوز للصلاحيات أو توقيعات غير صحيحة، فده موضوع قانوني لازم يتراجع بدقة.
وبعدين طلع ورقة من الملف وحطها قدامي.
دي صورة من المستند الأصلي اللي والدك وقّعه قبل ۏفاته بأسبوع.
قربت الورقة مني.
كان فيها بند واضح بيقول إن أي تصرف في الحصة الاستثمارية أو نقل ملكيتها لازم يتم بموافقة كتابية مستقلة من صاحب الحق، وإن التوكيل القديم لا يسمح بنقل الحصة لنفس الوكيل أو لأي شركة مرتبطة بيه.
لكن اللي صدمني كان اسم المستفيد من الحصة.
داليا رضوان.
أنا!
بابا كان مسجل حقي في الحصة بشكل مستقل، ومحدد شروط تمنع أي حد من التصرف فيها لمجرد إنه معاه توكيل.
سألت الأستاذ فؤاد
طب إزاي اتقدمت مستندات تانية للبنك باسمي؟
رد
ده سبب إننا محتاجين النسخ الأصلية من البنك، ونقارنها بالمستندات المحفوظة عندنا. لحد ما نعمل كده، مفيش داعي نستبق النتائج.
وبعدين بصلي وقال
فيه حاجة كمان لازم تعرفيها. والدك طلب مني أحتفظ بمظروف تاني، منفصل عن الملف ده، وقاللي أسلمه ليكي لو ظهر أي ڼزاع على الحصة.
ومظروف إيه ده؟
فتح خزنة صغيرة في مكتبه، وطلع ظرف أبيض عليه اسمي بالكامل.
كان الظرف مقفول، وعلى وشه مكتوب بخط أبويا
لا يُسلَّم إلى داليا إلا بعد مراجعة أصل عقد التأسيس وإثبات صفتها القانونية.
فتح الأستاذ فؤاد الظرف، وطلع منه خطاب قصير، ومعاه نسخة من

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *