اول يوم ليا في شغلي

يدق بسرعة.
يعني إيه يا نهى؟ هو ممكن يكون ورطني في ديون؟
مش هقدر أجزم قبل ما نشوف النسخ الرسمية. بس فيه مستند من اللي بعتيهولي بيشير إن اسمك مرتبط بتسهيل ائتماني، وقيمته كبيرة جدًا.
قد إيه؟!
قالت الرقم، وحسيت إن الدنيا اسودت قدام عيني.
تلاتة مليون وستمائة ألف جنيه!
قفلت عيني بإيدي، وحاولت أتنفس.
يا نهار أسود… أنا عمري ما أخدت قرض بالمبلغ ده!
وأنا مصدقاكي، بس لازم نثبت الحقيقة بالمستندات. بكرة الصبح، روحي للبنك بنفسك، واطلبي نسخة من كل عقد أو ضمان باسمك، وأي مستند بيوضح صفتك في التسهيل ده. ومتمضيش على أي حاجة جديدة قبل ما محامي يراجعها.
قفلت مع نهى، وأنا حاسة إن الأرض بتتهز بيا.
لكن لسه ماكنتش عارفة إن المفاجأة الحقيقية مستنياني في البيت.
الساعة كانت حوالي سبعة ونص بالليل، لما وصلت. لقيت أحمد قاعد في الصالة، وقدامه اللابتوب بتاعه، وبيتكلم في التليفون بصوت واطي.
أول ما شافني، قفل المكالمة بسرعة.
إيه ده؟ إنتي رجعتي بدري النهارده ليه؟
بصيتله باستغراب.
الساعة سبعة ونص يا أحمد، هو أنا بقيت برجع متأخر كمان؟
ابتسم ابتسامة متكلفة.
لا يا حبيبتي، قصدي إنك عادةً بتبقي مشغولة في الشغل الجديد.
حطيت شنطتي على الكنبة، وفضلت أراقبه من غير ما أتكلم.
كان متوتر، وبيحرك رجله بسرعة، وكل شوية يبص ناحية اللابتوب.
فجأة قال
على فكرة، البنك ممكن يتصل بيكي بكرة عشان تأكيد بعض البيانات. لو سألوكي عن الاستثمار، قولي لهم إنك عارفة بكل التفاصيل، وإن كل حاجة بموافقتك.
حسيت ببرودة بتجري في ضهري.
هو عرف منين إن البنك ممكن يكلمني؟!
حاولت أخلي صوتي طبيعي.
أنهي بنك؟
اتردد لحظة، وبعدين رد
بنك مصر. موضوع التسهيلات اللي كنا بنتكلم فيه من كام شهر، فاكرة؟
آه، فاكرة.
تمام. عشان بس متتفاجئيش لو كلموكي.
قام من مكانه، وقبل ما يدخل الأوضة، رجع بصلي وقال
وداليا، لو حد سألك عن شركة فيرتكس، متدخليش في تفاصيل مش فاهمها. دي شغل، وأنا هتولى الموضوع كله.
ابتسمتله بهدوء.
حاضر يا أحمد.
دخل الأوضة، وأنا فضلت واقفة مكاني.
هو بنفسه جاب سيرة الشركة، من غير ما أسأله عنها، ومن غير ما يعرف إني اكتشفت التحويلات.
وده معناه إنه بدأ يحس إن في حاجة مش طبيعية.
استنيت لحد ما دخل يغيّر هدومه، وبعدها فتحت تليفوني وبعت لنهى رسالة
أحمد بيقول إن البنك هيكلمني بكرة، وطلب مني أقول إني عارفة بكل تفاصيل الاستثمار.
ردت عليا بعد أقل من دقيقة
متقوليش أي معلومة غير الحقيقة، ومتوافقيش على أي حاجة بالتليفون. والأهم، عندي طلب أخير منك راجعي أي إيميلات قديمة من البنك، خصوصًا اللي فيها مرفقات أو إشعارات توقيع إلكتروني.
فتحت الإيميل بتاعي، وبدأت أراجع الرسائل القديمة واحدة واحدة.
بعد حوالي عشر دقايق، لقيت رسالة من البنك، عنوانها
إشعار باستكمال إجراءات الضمان.
التاريخ كان نفس اليوم اللي أحمد جاب فيه الدوسيه الأزرق.
فتحت المرفق.
كان عبارة عن مستند من سبع صفحات، وفي الصفحة الأخيرة لقيت توقيعي، وتحته وصف قانوني خلاني مش قادرة أستوعب اللي بقراه.
أنا مكنتش مجرد شريكة في حساب استثماري.
كان فيه إقرار باسمي متعلق بضمان التزامات شركة، ومرفق بيه جدول للمبالغ المستحقة وشروط الرجوع على الضامنين.
بس اللي صدمني أكتر إن اسم الشركة المدينة مكنش فيرتكس بس.
كان فيه اسم شركة تانية، عمري ما سمعت عنها في حياتي.
النور للتوريدات الطبية.
نفس المجال اللي أنا بدأت أشتغل فيه من يومين!
وفجأة افتكرت حاجة حصلت في أول يوم شغل.
مدير الموارد البشرية كان باعتلي رسالة ترحيب فيها قائمة بالشركات اللي بتتعامل معاها شركتنا، واسم النور للتوريدات الطبية كان موجود وسط القائمة.
يعني إيه؟
هل الشركة دي ليها علاقة بمكاني الجديد؟ وهل أحمد كان عارف إني هشتغل في الشركة دي قبل ما أبدأ أصلًا؟
قبل ما ألحق أفكر، سمعت صوت أحمد من ورايا
إنتي بتعملي إيه على اللابتوب بتاعي؟
اټخضيت، لكن قفلت المرفق بهدوء ولفيت ناحيته.
كان واقف عند باب الصالة، ووشه متغير تمامًا.
عينيه نزلت على الشاشة، وبعدين رجعت ثبتت عليا.
إنتي فتحتي إيميلات البنك؟
حاولت أبان مستغربة.
ده إيميلي أنا يا أحمد، والرسالة جاية عليه. هو فيه حاجة غلط؟
قرب خطوتين، ومد إيده ناحية اللابتوب.
هاتي الجهاز.
قفلت الشاشة، وبصيتله بثبات.
ليه؟
لأول مرة من تمان سنين، شفت في عينيه خوف حقيقي، مش تعب الشغل اللي كان بيتحجج بيه، ولا العصبية اللي كان بيخبي وراها أي سؤال.
خوف واحد اكتشف إن السر اللي دفنه بإيده بدأ يطلع للنور.
قال بصوت واطي
داليا، أنا هشرحلك كل حاجة، بس لازم تسمعيني للآخر، ومن غير ما تدخلي حد بينا.
سألته وأنا بحاول أمنع صوتي من الارتعاش
حتى البنك؟
وشه اتغير.
إنتي كلمتي البنك؟!
وقبل ما أرد، تليفونه رن.
بص للشاشة، ولقيته بيتردد يرد، لكن المتصل كرر الاتصال تاني.
في المرة التالتة، رد وحط التليفون على ودنه.
أنا مكنتش سامعة صوت الطرف التاني، لكن سمعت أحمد وهو بيقول
إيه؟! إنت بتقول إيه؟ الورق وصل لمين؟!
سكت لحظة، وبعدين صوته على بشكل عمري ما سمعته بيه
مستحيل! داليا مالهاش أي علاقة بالموضوع ده!
بصلي فجأة، وكأنه نسي إني واقفة قدامه.
وبعدها قال جملة واحدة خلت قلبي يقف
استنى، إنت متأكد إنهم اكتشفوا إن التوقيع التاني مش توقيعها؟!
يتبع…
أحمد أول ما قال الجملة دي، سكت تمامًا، كأنه لسه واخد باله إنه قال حاجة مكنش المفروض أسمعها.
أنا وقفت مكاني، وبصيتله من غير ما أرمش.
توقيع تاني إيه يا أحمد؟!
غطى سماعة التليفون بإيده، وبصلي بعصبية.
داليا، لو سمحتي، ادخلي أوضة النوم دلوقتي، أنا بتكلم في شغل.
ضحكت ضحكة قصيرة من كتر الصدمة.
شغل؟! هو تزوير التوقيعات بقى من ضمن شغلك يا أحمد؟!
وشه احمر، وبدأ يتكلم بسرعة
إنتي فهمتي غلط، ومش كل كلمة بتتقال في التليفون معناها اللي إنتي فاهماه!
طب فهمني! أنا ماضية على ضمان تلاتة مليون وستمائة ألف جنيه من غير ما أعرف، وفيه شركة اسمها النور للتوريدات الطبية داخلة في الموضوع، وإنت بتقول لحد إنهم اكتشفوا إن التوقيع التاني مش توقيعي! أمال أفهم إيه؟!
فضل باصصلي ثواني، وبعدها أنهى المكالمة فجأة.
قرب مني، ومد إيده يمسك إيدي.
داليا، أنا عمري ما كنت عايز أضرك.
سحبت إيدي منه.
وأنا عمري ما تخيلت إن الراجل اللي عايشة معاه تمان سنين ممكن يورطني في مصېبة بالحجم ده.
نزل راسه، وبعدها قال
الموضوع بدأ من سنة ونص، لما دخلت استثمار مع ناس، وكان المفروض الأرباح تغطي كل الالتزامات. بس المشروع اتعطل، والفلوس اتحبست، واضطريت آخد تمويل مؤقت لحد ما الأمور تتظبط.
بفلوسي أنا؟!
بفلوسنا يا داليا!
فلوسنا اللي كنت بتقولي عليها تحويشة العمر، واللي كنت بتمنعني حتى أقرب منها؟!
مردش.
سألته عن مبلغ ال٨٥٠ ألف جنيه اللي اتسحب من الشهادات، وعن التحويلات اللي راحت لفيرتكس، وعن الوحدة رقم ١٧ اللي باسم نسمة.
أول ما نطقت اسمها، رفع عينيه بسرعة.
إنتي عرفتي منين موضوع نسمة؟!
ابتسمت بمرارة.
أخيرًا اعترفت إن فيه موضوع!
قعد على الكنبة وحط إيده على وشه.
نسمة مالهاش ذنب في اللي حصل.
الجملة دي كانت كفيلة إنها تخليني أنسى للحظة كل الفلوس اللي راحت.
وأنا؟ أنا ماليش ذنب؟! أنا اللي عايشة معاك، وبشاركك بيتي وعمري وفلوسي، وبتعامل معاك على إنك أماني الوحيد!
رفع راسه وقال بصوت مبحوح
أنا غلطت، بس الموضوع أكبر من مجرد استثمار خسر.
سكت شوية، وبعدين كمل
في ناس دخلت معاهم، وكانوا عايزين ضمانات إضافية. وأنا استخدمت بعض المستندات اللي عندي عشان أقدر أكمل المشروع. كنت ناوي أرجع كل حاجة قبل ما أي حد يعرف.
بعض المستندات؟ تقصد الورق اللي أنا مضيت عليه من غير ما أعرف مضمونه؟
هز راسه ببطء.
الورق اللي إنتي مضيتيه كان خاص بالضمانات الأولية، لكن فيه مستند تاني اتقدم بعد كده…
اتجمدت ملامحي.
مستند تاني إيه؟
بصلي، وفضل ساكت.
أحمد، أنا بسألك!
قال أخيرًا
فيه طلب تعديل على الضمانات، وكان لازم يتقدم بتوقيعك كمان.
وأنا مضيت عليه؟
مردش.
قربت منه خطوة.
أنا مضيت عليه ولا لأ؟!
قال بصوت واطي
لا.
حسيت إن قلبي وقع في رجلي.
يعني حد مضى مكاني؟
أنا هحل الموضوع.
مين اللي مضى مكاني يا أحمد؟!
قام من مكانه، وبدأ يمشي في الصالة بعصبية.
مش هقدر أقولك دلوقتي، لازم أتأكد من حاجة الأول.
تتأكد من إيه؟! إنت عارف ولا مش عارف؟!
بصلي فجأة وقال
داليا، فيه حاجة لازم تعرفيها عن شركة النور للتوريدات الطبية، وعن سبب إنك اشتغلتي في الشركة دي بالذات.
الكلام ده خلاني أحس إن فيه مصېبة تانية لسه مستنياني.
تقصد إيه؟
قبل ما يرد، جرس الباب رن.
بص أحمد للساعة، واتغير لون وشه.
إنتي مستنية حد؟
لأ.
راح ناحية الباب، وبص من العين السحرية، وبعدها رجع خطوتين لورا.
مين يا أحمد؟
مردش.
الجرس رن تاني، وبعده خبطتين قويتين.
سمعت صوت راجل من بره
أستاذ أحمد عز الدين؟ إحنا محتاجين نتكلم مع حضرتك بخصوص إخطار رسمي.
أحمد بصلي، وكانت نظراته مليانة ارتباك.
همس
متقوليش أي حاجة عن الورق اللي شفتيه.
لكن المرة دي، أنا مكنتش ناوية أحميه من نتيجة أفعاله.
فتح الباب، ولقيت راجلين واقفين، واحد منهم ماسك ملف رسمي.
الراجل سأل
أستاذ أحمد عز الدين؟
أيوه، أنا.
حضرتك مطلوب منك استلام الإخطار ده، وهنحتاج نتأكد من بيانات زوجتك كمان، لأنها مذكورة في المستندات محل المراجعة.
أحمد حاول ياخد الملف بسرعة، لكن الراجل بعده عنه شوية وقال
من فضلك، لازم تستلم الإخطار بنفسك، ومش مطلوب منك تناقش تفاصيل الموضوع معانا دلوقتي.
أخدت نفس عميق وقلت
أنا داليا رضوان، زوجته. ممكن أعرف أنا مذكورة في المستندات بصفتي إيه؟
الراجل بصلي باهتمام، وبعدها قال
حضرتك صاحبة توقيع على بعض مستندات الضمان، لكن فيه اعتراض رسمي على صحة توقيع تاني منسوب ليكي. وإحنا بنراجع الموضوع بناءً على طلب البنك.
أحمد غمض عينيه لحظة.
أما أنا، فحسيت إن كل حاجة بدأت تتكشف أخيرًا.
لكن الراجل لسه مخلصش كلامه.
فتح الملف، وطلع صورة مستند، وحطها قدامي.
حضرتك تعرفي الشخص اللي قدّم المستند ده؟
بصيت للصورة.
كان فيها توقيع منسوب ليا، وتحته اسم شاهد على التوقيع.
الاسم كان نسمة شريف.
حسيت إن الډم انسحب من وشي.
نسمة؟!
زميلتي اللي كانت من يومين بس بتوريني خاتم خطوبتها، وبتحكيلي عن أحلامها مع أحمد، هي نفسها اللي اسمها موجود كشاهد على توقيع باسمي؟!
بصيت لأحمد، لكنه كان باصص للأرض.
سألته بصوت مرتعش
هي كانت عارفة؟
رفع عينيه ليا، ولأول مرة ملاقاش أي إجابة يقدر يهرب بيها.
الراجل قفل الملف وقال
إحنا لسه مش بنوجه اتهام لأي شخص، وده إجراء للتحقق من صحة المستندات. لو حضرتك عندك أي أوراق أو مراسلات ممكن تساعد في توضيح الحقيقة، احتفظي بيها وقدميها من خلال القنوات الرسمية.
وبعد ما مشي هو وزميله، قفلت الباب ببطء.
لفيت لأحمد وقلت
بكرة الصبح، أنا رايحة البنك، وبعدها لمحامي. ومش هوقّع على أي حاجة، ومش هخبي أي مستند

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *