اول يوم ليا في شغلي
افتكرت اسمها المكتوب في الملف.
فقررت أسألها سؤال واحد بس.
إنتي عمرك فتحتي حساب بنكي مشترك مع أحمد؟
سمعت صوتها وهي بتاخد نفس طويل.
إنتي بتسأليني السؤال ده ليه؟
قلبي بدأ يدق أسرع.
جاوبيني يا نهى.
قالت بحذر
لأ، طبعًا. أنا مالي أنا وأحمد؟
قفلت المكالمة من غير ما أقول أي حاجة تانية.
مش لأن عندي دليل إنها بتكدب، لكن لأن رد فعلها خلاني محتاجة أتأكد بنفسي قبل ما أواجهها.
رجعت للصالة، لقيت أحمد واقف قدام الشباك، ماسك موبايله وبيتكلم بصوت واطي.
أول ما شافني، أنهى المكالمة.
قلتله
بكرة الصبح هروح البنك بنفسي، وهطلب كل المستندات اللي باسمي. وبعدها هروح لمحامي.
رد بعصبية
إنتي مش فاهمة إن الموضوع ممكن يكبر؟
هو كبر خلاص يا أحمد، من يوم ما قررت تستخدم اسمي من غير ما أعرف.
سكت لحظة، وبعدين قال
طيب، بس قبل ما تعملي أي حاجة، لازم تعرفي إن مبلغ ال٦٠٠ ألف ده مش من فلوسك الشخصية.
بصيتله بذهول.
أمال منين؟!
فتح ملف تاني على اللابتوب، وطلع صورة تحويل بنكي قديم.
المبلغ ٦٠٠ ألف جنيه.
التاريخ من أربع سنين بالظبط.
والمرسل كان حساب باسم والدي.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
أبويا؟!
أبويا اللي توفى من سنتين، واللي كان دايمًا بيقولي إن الفلوس اللي سايبها ليا أمان ليا ولأولادي؟!
صړخت
إنت بتقول إيه؟! الفلوس دي كانت في حساب بابا؟!
أحمد هز راسه.
أيوه. المبلغ اتحول وقت تأسيس المشروع الأول، واتسجل في الأوراق باعتباره مساهمة استثمارية مرتبطة باسمك.
بابا عمره ما قالي إنه استثمر فلوسه معاك!
يمكن كان مخطط يفاجئك بعد ما المشروع ينجح.
متدخلش بابا في كدبك يا أحمد!
أول مرة أزعق فيه بالشكل ده، لكنه ما ردش.
قعدت على الكنبة، وحاولت أرتب أفكاري.
أربع سنين.
نفس المدة اللي أحمد قال فيها إنه اتعرف على نسمة.
نفس المدة اللي بدأت فيها سفرياته تزيد، وفلوسنا تتحرك من غير ما أعرف.
ونفس الفترة اللي اختفى فيها جزء من أوراق والدي بعد ۏفاته، وكنت فاكرة إنه ضاع وسط نقل حاجات البيت.
فجأة افتكرت ظرف قديم كان أبويا سايبهولي قبل ۏفاته بشهور، وقاللي وقتها
خلي بالك يا داليا، فيه ورق مهم يخص مستقبلك ومستقبل عيالك. متسيبيش حد يتصرف فيه مهما كان قريب منك.
كنت وقتها فاكرة إنه بيتكلم عن أوراق الشقة والميراث.
لكن بعد ۏفاته، دورت على الظرف وملاقيتوش.
بصيت لأحمد وقلت
إنت تعرف حاجة عن الظرف اللي بابا سابهولي؟
وشه اتغير بشكل واضح.
أنهي ظرف؟
الظرف اللي كان فيه أوراق تخص مستقبلي ومستقبل عيالي.
مردش.
كررت السؤال
أحمد، إنت شفت الظرف ده قبل كده؟
نزل عينيه، وبعد ثواني قال
أيوه.
حسيت پصدمة جديدة.
كان فين؟!
كان مع أوراق المشروع القديم.
قمت من مكاني.
يعني إنت أخدت أوراق بابا من غير ما تقولي؟!
أنا مخدتش حاجة عشان أضرك يا داليا. كان فيه مستندات لازم أحتفظ بيها عشان أحمي الاستثمار.
الاستثمار بتاعك إنت؟ ولا الفلوس اللي بابا سايبها ليا ولعيالي؟!
فضل ساكت.
مديت إيدي وقلتله
هات الأوراق دي.
مش معايا دلوقتي.
أمال فين؟!
اتردد، وبعدها قال
في خزنة الشركة.
كنت لسه هسأله عن عنوان الشركة، لكن موبايله رن تاني.
بص للشاشة، ولقيته بيقفل المكالمة بسرعة.
المرة دي أنا شفت الاسم.
نسمة شريف.
بصيتله وقلت
رد عليها.
مش وقته.
لأ، وقته جدًا. دي شريكتك في المشروع، واسمها موجود على مستندات باسمي، ومن حقي أعرف هي عارفة إيه.
أحمد رفض، لكن بعد إلحاح وافق يفتح مكبر الصوت.
رد على المكالمة.
نسمة كانت بتتكلم بسرعة وبانفعال
أحمد، إنت لازم تيجي بكرة بدري. المحامي بعتلي نسخة من عقد الشراكة، وفيه بند أنا أول مرة أشوفه!
أحمد بصلي بقلق.
بند إيه يا نسمة؟
قالت بصوت مرتعش
مكتوب إن حصتي في الشركة مرهونة بضمان ديون طرف تالت، وإن من حق الدائنين يطالبوا باسترداد المبلغ من الأصول المسجلة باسمي لو الشركة اتأخرت في السداد!
أحمد حاول يقاطعها، لكنها كملت
أنا مش فاهمة حاجة! إنت قلتلي إن الشركة مفيش عليها ديون، وإن كل الفلوس اللي دخلنا بيها رأس مال استثماري!
وبعدين سكتت لحظة، وقالت
أحمد، فيه اسم مكتوب في العقد أنا مش قادرة أستوعبه.
سألها بصوت منخفض
اسم مين؟
ردت
داليا رضوان.
حسيت إن قلبي بيدق پعنف.
نسمة كانت بتتكلم من غير ما تعرف إني سامعاها، وقالت
هي مين داليا رضوان دي؟ وليه اسمها موجود كضامنة على ديون الشركة؟!
أحمد قفل عينيه، وأنا قربت من التليفون وقلت بوضوح
أنا داليا رضوان يا نسمة.
ساد الصمت.
ثواني طويلة عدت من غير ما أي واحدة فينا تتكلم.
وبعدين سمعتها بتقول بصوت ضعيف
إنتي… إنتي زوجته؟!
رديت
أيوه. مراته من تمان سنين.
سمعت شهقة مكتومة من الناحية التانية، وبعدها قالت
بس أحمد قالي إنه منفصل من زمان، وإن إجراءات الطلاق خلصت، وإنه مستني بس ورقة رسمية عشان يقدر يتجوزني!
بصيت لأحمد، اللي كان واقف قدامي عاجز عن الكلام.
نسمة بدأت ټعيط، لكني كنت محتاجة أعرف الحقيقة، مش أسمع وعود جديدة.
قلت لها
يا نسمة، أنا مش هحكم عليكي من كلامه ولا هتهمك بحاجة قبل ما أعرف دورك في الموضوع. بس لازم تقوليلي كل اللي تعرفيه عن الشركة والفلوس والعقود.
ردت بعد لحظة
أنا عندي نسخة من ملف كامل، أحمد طلب مني أمضيه من شهرين، وقاللي إنه خاص بإجراءات تأسيس الشركة. وأنا مكنتش فاهمة كل البنود، بس المحامي اللي راجع العقد النهارده اكتشف حاجة خطېرة.
إيه هي؟
قالت بصوت مخڼوق
فيه ملحق للعقد، عليه توقيع منسوب ليكي، وبيثبت إنك وافقتي على نقل جزء من حقوقك المالية للشركة مقابل تسوية مديونية قديمة.
حسيت إن الډم اتجمد في عروقي.
وأنا عمري ما مضيت على الملحق ده!
نسمة ردت بسرعة
أنا صدقت إن الورق سليم، لأن أحمد قال إن كل الأطراف موافقة. بس أنا عندي نسخة من الملف قبل ما يتسجل التعديل، وممكن تساعدك تعرفي إيه اللي اتغير.
طلبت منها تبعتلي نسخة للمراجعة عن طريق المحامي، من غير ما أي واحدة فينا تتصرف في الأصول أو تتواصل مع البنك نيابة عن التانية.
وقبل ما نقفل، قالتلي جملة خلتني أفهم إن حكاية الشركة لسه فيها سر أخطر
داليا، فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. أنا لما بدأت أجهز أوراق الشركة، أحمد اداني ملف قديم وقاللي إنه خاص بالمستثمر الرئيسي، وطلب مني أحتفظ بيه بعيد عن بقية المستندات.
وإيه علاقة الملف ده بيا؟
سكتت شوية، وبعدين قالت
لأن أول صفحة فيه عليها اسم والدك، وتاريخ تحرير المستند قبل ۏفاته بشهور.
قفلت معاها، وأنا حاسة إن كل اللي كنت أعرفه عن حياتي بيتفك قدامي قطعة قطعة.
أحمد حاول يتكلم، لكني وقفته بإشارة من إيدي.
من هنا ورايح، أي كلام بينا هيكون قدام محامي، وأي ورقة تخصني أو تخص بابا لازم تظهر.
بصلي بحزن وقال
إنتي كده مش هتديني فرصة أصلح اللي حصل.
رديت عليه
الفرصة كانت موجودة كل يوم على مدار أربع سنين. إنت اللي اخترت تخبي الحقيقة.
دخلت أوضة النوم وقفلت الباب، وقعدت على طرف السرير وأنا بفكر في أبويا، وفي الظرف اللي اختفى، وفي المبلغ اللي اتحول من حسابه، وفي التوقيع اللي اتنسب ليا.
وفجأة، موبايلي اهتز برسالة من رقم غريب.
الرسالة كان معاها صورة لورقة قديمة، أطرافها مصفرة، وعليها ختم رسمي وتوقيع والدي.
وتحت الصورة مكتوب
لو عايزة تعرفي أبوكي كان سايبلك إيه فعلًا، متصدقيش نسخة العقد اللي معاكي. الأصل موجود في مكان أحمد عمره ما فكر يدور فيه.
وبعدها وصلت رسالة تانية
واسألي أمك عن اللي حصل قبل ۏفاة أبوكي بشهر واحد.
فضلت باصة للرسالتين، وقلبي بيخبط في صدري.
أمي؟!
إيه اللي ممكن تكون أمي تعرفه ومخبيّاه عني؟ وليه الشخص المجهول ده قرر يتواصل معايا دلوقتي بالذات؟
والأهم من ده كله…
إزاي عرف إني اكتشفت موضوع أحمد، وإن اسمي موجود على العقود؟!
يتبع…
فضلت ماسكة الموبايل وبقرأ الرسالة للمرة العاشرة، وكل مرة كنت بحس إن فيه حاجة جديدة بتخوفني أكتر.
مين الشخص اللي باعتلي؟ وإزاي عارف كل التفاصيل دي؟ وإيه علاقة أمي بالموضوع اللي حصل قبل ۏفاة بابا بشهر؟
كنت عايزة أتصل بيها في ساعتها، لكن خۏفت أكون بظلمها أو أدخلها في حاجة أكبر منها من غير ما أفهم الحقيقة.
قررت أبدأ من أول خيط.
رديت على الرقم المجهول
إنت مين؟ وعرفت منين كل ده؟
الرسالة اتبعتت، وفضلت مستنية.
دقيقة… اتنين… خمسة…
مفيش رد.
خرجت من الأوضة، لقيت أحمد قاعد في الصالة، وشه شاحب وعينيه على الموبايل. أول ما شافني، خبّى تليفونه بسرعة.
قلتله
أحمد، أنا عايزة أعرف عنوان الشركة اللي فيها الخزنة.
رفع عينيه ليا.
ليه؟
عشان آخد أوراق بابا، وأراجع كل المستندات اللي تخصني.
هز راسه وقال
مش هينفع دلوقتي، الشركة مقفولة.
بكرة الصبح هروح.
داليا، أنا ممكن أجيبلك الأوراق بنفسي.
بصيتله ببرود.
بعد اللي حصل، إنت آخر شخص ممكن أسيبه يختارلي أنهي ورق أشوفه وأنهي ورق يختفي.
سكت، وبعدها قام ودخل الأوضة من غير ما يرد.
في اللحظة دي، أخدت قراري إني مش هواجه أمي بأي اتهام قبل ما يكون معايا دليل واضح.
تاني يوم الصبح، اتصلت بيها وقلت لها إني محتاجة أزورها بعد الشغل.
ردت بلهفة
مالك يا داليا؟ صوتك مش عاجبني، إنتي تعبانة؟
لا يا ماما، أنا كويسة. بس محتاجة أتكلم معاكي في موضوع مهم.
تعالي يا حبيبتي، أنا مستنياكي.
قفلت معاها، وروحت شغلي.
حاولت أركز في المهام اللي عندي، لكن دماغي كانت في حتة تانية خالص.
حوالي الساعة ١١، لقيت نسمة واقفة عند باب مكتبي، ووشها شاحب وعينيها منفخة من العياط.
قالت بهدوء
ممكن أتكلم معاكي خمس دقايق؟
أشرتلها تدخل وتقعد.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين حطت قدامي فلاشة صغيرة.
دي نسخة من الملفات اللي عندي. أنا مبقتش عارفة أصدق مين، بس فيه حاجة اكتشفتها امبارح ومش قادرة أنام بسببها.
بصيت للفلاشة، وبعدين رفعت عيني ليها.
إيه اللي اكتشفتيه؟
فتحت شنطتها وطلعت صورة مطبوعة لعقد.
المحامي قالي إن العقد ده مش مجرد عقد تأسيس شركة. فيه ملحق بيحدد مين له حق التصرف في أصول معينة لو حصل تعثر مالي.
أخدت الصورة وبدأت أقرا.
كان فيها أسماء شركات، وأرقام حسابات، ومبالغ كبيرة.
لكن في آخر الصفحة، لقيت بند مكتوب بخط واضح
في حالة ۏفاة المساهم الأصلي أو فقدانه الأهلية، تنتقل صلاحية إدارة حصته إلى الوكيل المحدد بالعقد، وفقًا للشروط المرفقة.
سألتها
مين المساهم الأصلي؟
نسمة أشارت لاسم في أول الصفحة.
محمود رضوان.
اسم أبويا.
حسيت إن صدري اتقبض.
بابا كان مساهم في الشركة دي؟
نسمة هزت راسها.
ده اللي ظاهر في العقد. بس فيه حاجة أغرب. أحمد كان بيقول إن الشركة بدأت من أربع سنين، لكن تاريخ أول مساهمة باسم والدك أقدم من كده بكتير.
قلبت الصفحة، ولقيت تاريخًا يرجع لست سنين قبل ۏفاة بابا.
يعني الموضوع مش بدأ من أربع سنين، زي ما أحمد كان بيحاول يقنعني.
كان فيه تاريخ أقدم، واستثمار أقدم، وأوراق أنا عمري ما شفتها.
سألت نسمة
مين الوكيل المحدد في العقد؟
قربت من