اول يوم ليا في شغلي
كشف حساب قديم.
بصيت لكشف الحساب، ولقيت تحويلات مالية تمت على مدار شهور، بعضها بمبالغ صغيرة، وبعضها بمبالغ كبيرة.
لكن فيه تحويل واحد كان مختلفًا عن الباقي.
مبلغ مليون وستمائة ألف جنيه.
والتاريخ كان قبل ۏفاة أبويا بأسبوعين.
المستفيد شركة باسم مختلف عن فيرتكس، وعن النور للتوريدات الطبية.
اسم الشركة كان المدار للاستثمارات والتجارة.
سألت الأستاذ فؤاد
الشركة دي تبع مين؟
قال
حسب المستندات اللي عندي، الشركة كانت مملوكة لمجموعة شركاء، ومن بينهم شخص اسمه عز الدين محمود عز الدين.
والد أحمد!
لكن الأستاذ فؤاد كمل
وده مش معناه إنه ارتكب مخالفة. لازم نراجع سبب التحويل وطبيعة الاتفاق. فيه احتمال إن المبلغ كان جزءًا من استثمار مشروع، وفيه احتمال تاني إن التحويل اتنفذ بناءً على تعليمات تم تعديلها لاحقًا.
رجعت بصيت للخطاب اللي سابه بابا.
كان مكتوب فيه
يا داليا، لو وصلتي للمرحلة دي، افتكري إن الفلوس ممكن تتعوض، لكن الحق لو اتساب من غير دليل، ممكن يضيع سنين. متتهميش حد لمجرد الشك، ومتثقيش في ورقة لمجرد إن عليها ختم. راجعي الأصل، واسألي عن كل توقيع، واعرفي مين كان حاضر وقت الاتفاق.
حسيت بدموعي بتنزل.
حتى وهو مش موجود، بابا كان بيحاول يعلمني إزاي أحمي نفسي.
خرجت من مكتب الأستاذ فؤاد، واتصلت بنهى.
المرة دي، طلبت منها نقابل بعض في مكان عام، وقلت لها إني محتاجة أوريها مستندات مهمة.
وصلت بعد نص ساعة، وقعدت قدامي وهي متوترة.
أول ما شافت الورق، قالت
داليا، إنتي وصلتي لإيه؟
حطيت قدامها صورة المستند اللي اسمها ظاهر فيه.
أنا عايزة أفهم إنتي ماضية على الورقة دي بصفتك إيه.
بصت للصورة، واتغير لون وشها.
أنا شفت المستند ده قبل كده.
اتنبهت لكل كلمة بتقولها.
فين؟
من حوالي سنة، أحمد كلمني وقاللي إنه محتاج رأيي في بعض الأوراق المالية، لأن فيه اختلاف بين كشف حساب الشركة والدفاتر. أنا رفضت أمضي على أي حاجة، وطلبت منه يبعتلي المستندات الرسمية الأول.
طب إيه اللي حصل بعد كده؟
نهى فتحت شنطتها وطلعت موبايلها.
أنا وقتها احتفظت برسالة منه، لأنه كان بيطلب مني أراجع ملحق عقد قبل ما يتقدم للبنك. ولما قريته، لقيت فيه بند مش واضح، وطلبت منه تفسير مكتوب. هو اتضايق، وقاللي إنه هيتصرف بنفسه.
بصيتلها بتركيز.
وإنتي ما مضيتيش على الملحق ده؟
هزت راسها بقوة.
لا. لكن أنا مكنتش أعرف إن فيه نسخة اتقدمت للبنك باسمي كشاهد أو مراجع. لو ده حصل فعلًا، لازم أعرف مين استخدم اسمي.
طلعت الموبايل وورّتني الرسالة القديمة.
كانت رسالة من أحمد، بتاريخ يرجع لحوالي سنة
يا نهى، محتاجك تبصي على الملحق بسرعة، الموضوع لازم يخلص قبل نهاية الأسبوع.
وتحتها رد نهى
مش هقدر أوافق على أي بند قبل ما أشوف أصل العقد والمستندات الداعمة. لو فيه التزام باسم داليا، لازم هي نفسها تعرف وتراجع الورق.
حسيت براحة بسيطة.
على الأقل، كان فيه دليل إنها طلبت مراجعة المستندات، ومش واضح إنها وافقت على استخدامها بالشكل اللي ظهر في العقد.
لكن نهى فجأة رفعت عينيها ليا وقالت
داليا، فيه حاجة أنا مخبياها عنك، مش عشان أضرك، لكن عشان مكنتش متأكدة منها.
قلبي انقبض.
إيه هي؟
قالت
من حوالي شهرين، أحمد اتصل بيا وسألني إذا كنت أعرف حاجة عن وصية خالك محمود.
استغربت.
خالي محمود؟! بابا اسمه محمود رضوان، وكان أخو أمي الوحيد!
نهى هزت راسها.
أنا عارفة. قلتله إن معرفش حاجة عن وصية، وإن أي موضوع يخص ميراثك لازم يتراجع مع محامي. لكنه سألني سؤال غريب جدًا.
سأل عن إيه؟
بصت حوالين المكان، وبعدها قالت بصوت منخفض
سألني إذا كنت أعرف إن فيه مستند قديم بيثبت إن جزءًا من أملاك والدك مش داخل ضمن التركة اللي اتوزعت بعد ۏفاته.
حسيت إن قلبي وقف.
يعني إيه مش داخل ضمن التركة؟
معرفش التفاصيل. أنا قلتله إنه لازم يرجع للمحامي، وهو أنهى المكالمة. لكن بعدها بأسبوع، لقيت إيميل من عنوان غير معروف، فيه نسخة من مستند قديم، وطلب مني أراجعه.
وإنتي عملتي إيه؟
ممضيتش عليه، ومردتش على الإيميل. احتفظت بيه لأني حسيت إن الموضوع مش طبيعي.
فتحت موبايلها، وبدأت تدور في الرسائل القديمة.
وبعد شوية، لقت الإيميل.
كان مرفق بيه ملف PDF بعنوان
حصر الأصول المستقلة محمود رضوان.
لكن لما حاولت تفتحه، ظهرت رسالة إن الملف محمي بكلمة مرور.
نهى بصتلي وقالت
أنا معرفش مين بعته، ولا إيه اللي جواه. بس أقدر أديكي نسخة من الإيميل والمرفق، والمحامي يقدر يراجع مصدره ومحتواه بطريقة قانونية.
وافقت، وطلبت منها متحذفش أي رسالة أو مستند متعلق بالموضوع.
وقبل ما نمشي، سألتها
نهى، إنتي شاكة في مين؟
ردت بعد تفكير
أنا مش عايزة أتهم حد من غير دليل. بس فيه شخص واحد لازم نعرف إذا كان لسه عنده النسخة الأصلية من المستندات.
مين؟
قالت
أبو أحمد.
رجعت البيت وأنا شايلة نسخة من الإيميل، ودماغي مليانة أسئلة.
لكن أول ما دخلت، لقيت أحمد قاعد في الصالة، وقدامه ورقة مطبوعة.
رفع عينيه ليا وقال
كنت مستنيكي.
بصيت للورقة اللي في إيده.
كانت صورة من المستند القديم الخاص بأبويا.
سألته
إنت جبت الورقة دي منين؟
رد بهدوء غريب
من نفس المكان اللي إنتي بتحاولي توصليله.
قربت منه بحذر.
تقصد إيه؟
قام، وحط الورقة على الترابيزة، وقال
داليا، أنا عارف إنك رحتي للأستاذ فؤاد، وعارف إنك قابلتي نهى، وعارف إنك بدأتي تدوري على الأصول اللي أبوكي سابها.
حسيت بقلبي بيدق أسرع.
إنت بتراقبني؟!
لا، بس فيه ناس بتكلمني وبتبلغني باللي بيحصل.
مين الناس دي؟
مردش.
وبعدين فتح درج الترابيزة وطلع صورة قديمة، حطها قدامي.
كانت صورة لأبويا، وأبو أحمد، والأستاذ فؤاد، واقفين قدام مكتب قديم، وعلى ظهر الصورة تاريخ يرجع لست سنين.
قلت بذهول
إيه الصورة دي؟
أحمد رد
الصورة دي اتاخدت يوم توقيع الاتفاق الأول بين والدك وأبويا. وفي اليوم ده، اتفقوا على حاجة محدش في العيلة يعرفها غيرهم.
إيه هي؟
بصلي طويلًا، وبعدها قال
إن الحصة اللي أبوكي سجلها باسمك مش مجرد استثمار مالي. كان فيه شرط مرتبط بيها، ولو الشرط ده اتحقق، فجزء كبير من الأصول هيرجع ليكي بالكامل.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
وإيه الشرط؟
أحمد مد إيده ناحية الصورة، وقلبها على وشها التاني.
كان مكتوب بخط يد أبويا
لا يتم نقل الحصة أو التصرف فيها إلا بعد تقديم أصل المستند الموقع من الشاهدين، ومراجعة السجل المالي المستقل.
رفعت عيني لأحمد.
مين الشاهد التاني؟
أحمد سكت.
فضلت أكرر السؤال، لحد ما قال أخيرًا
الشاهد التاني كان شخص من عيلتك، وهو الوحيد اللي يقدر يثبت إن الاتفاق الأصلي اتغير بعد ۏفاة والدك.
مين هو يا أحمد؟!
قبل ما يرد، جرس الباب رن.
أحمد بص ناحية الباب، واتغيرت ملامحه.
فتح الباب، ولقيت راجل كبير واقف قدامه، ملامحه متوترة، وماسك ظرفًا بنيًا قديمًا.
كان أبو أحمد.
دخل من غير مقدمات، وبصلي مباشرة وقال
داليا، أنا عارف إنك اكتشفتي جزءًا من الحقيقة، لكن لو عايزة تعرفي مين اللي غيّر المستندات بعد ۏفاة أبوكي، لازم تسمعيني للآخر.
وبعدين بص لابنه وقال
وأنت يا أحمد، كفاية كڈب. البنت من حقها تعرف إنك مش الوحيد اللي كان عنده صلاحية الوصول للأوراق دي.
أحمد وقف مكانه، عاجز عن الرد.
أما أنا، فبصيت لأبو أحمد وسألته
حضرتك تقصد مين تاني كان عنده صلاحية؟
فتح الظرف، وطلع منه صورة من سجل قديم، وأشار إلى توقيع موجود في آخر الصفحة.
التوقيع كان باسم شخص أنا أعرفه كويس جدًا… الشخص اللي استلم أوراق ميراث أبويا بعد ۏفاته، وكان مسؤولًا عن إنهاء الإجراءات مع المحامي.
لكن قبل ما أقدر أقرأ الاسم كاملًا، أبو أحمد غطى جزءًا من الورقة بإيده وقال
قبل ما أقولك الاسم، لازم تعرفي إن الشخص ده لسه بيحتفظ بالأصل، ولو عرف إننا وصلنا للنسخة دي، ممكن يحاول يخفيها للأبد.
وفي اللحظة دي، رن تليفون أحمد، وظهر على الشاشة اسم المتصل… نفس اسم الشخص اللي كان أبو أحمد لسه بيحذرني منه!
يتبع…
النهاية الحقيقة اللي قلبت حياة داليا كلها!
التليفون فضل يرن في إيد أحمد، وأبوه واقف قدامه ماسك الظرف القديم، وأنا مش قادرة أشيل عيني عن الاسم اللي ظاهر على الشاشة.
كان اسم نهى رضوان… بنت خالتي!
بصيت لأبو أحمد پصدمة وقلت
إنتوا بتقولوا إيه؟! نهى مالها بكل ده؟ دي هي اللي ساعدتني أكتشف التحويلات، وهي اللي قالتلي أروح البنك وأحمي حقي!
أبو أحمد هز راسه وقال بهدوء
يا بنتي، اسمعيني للآخر. وجود اسم نهى في المستندات مش معناه إنها شاركت في أي تزوير. أنا بتكلم عن توقيعها كشاهد في محضر استلام أوراق الميراث، مش عن عقود الاستثمار.
أحمد رد بعصبية
بابا، مش وقته الكلام ده!
أبوه بصله پغضب وقال
لأ، ده وقته وزيادة. كفاية سنين من إخفاء الحقيقة!
وبعدين حط الظرف على الترابيزة، وطلع منه محضر قديم، وبدأ يشرحلي إن بعد ۏفاة بابا، كان فيه ملف خاص بحصتي في استثماراته، واتسلم لمكتب محاماة علشان يتراجع قبل توزيع التركة.
المشكلة إن نسخة من المستندات اتغيرت، واتقدمت أوراق جديدة بتدي أحمد صلاحيات أوسع من التوكيل الأصلي.
لكن مين اللي غيّرها؟
أبو أحمد قال إنه مش هيقدر يتهم حد من غير دليل، وإن اللي نقدر نثبته حاليًا إن فيه اختلافات بين النسخ، وإن لازم الجهات المختصة تفحص التوقيعات والأصول.
بصيت لأحمد وقلت
يعني إنت كنت عارف إن فيه اختلافات، ومع ذلك فضلت تستخدم اسمي في معاملات مالية من غير ما أعرف؟
نزل عينيه للأرض.
أنا كنت فاكر إني هقدر أصلح كل حاجة قبل ما الموضوع يكبر.
تصلح إيه يا أحمد؟! إنت أخدت من تحويشة عمرنا، واستخدمت فلوس بابا، وفتحت شركة مع نسمة، وخلّيتني أكتشف بالصدفة إن اسمي موجود على التزامات بالملايين!
قال بصوت مبحوح
أنا غلطت، يا داليا.
رديت عليه وأنا بعيط
الغلط مش إنك خسړت فلوس في استثمار. الغلط إنك قررت إن من حقك تخبي عني الحقيقة، وتاخد قرارات تخص مستقبلي ومستقبل عيالي من غير ما ترجعلي.
في اللحظة دي، رن تليفوني.
كانت نهى.
رديت، وقلت لها من غير مقدمات
نهى، أنا محتاجة أشوفك حالًا. فيه مستندات باسمك، ولازم نفهم إيه اللي حصل.
وصلت بعد أقل من ساعة، ومعاها محاميها. أول ما شافت أبو أحمد، استغربت وجوده، لكن لما عرضنا عليها المستندات، أكدت إنها ما مضتش على أي تنازل عن حقوقي، وإن توقيعها الموجود في محضر استلام الأوراق كان خاصًا بإثبات استلام نسخة من المستندات فقط.
أما النسخة اللي اتقدمت للبنك، فكانت محتاجة فحصًا فنيًا للتأكد من مصدرها وصحة التوقيعات.
وبكده، بقى عندنا خيط واضح نقدر نتحرك منه قانونيًا، بدل ما نفضل نتهم بعض من غير دليل.
نهى مسكت إيدي وقالت
أنا آسفة إني معرفتكيش من الأول إن أحمد سألني عن أوراق بابا. مكنتش متخيلة إن الموضوع هيوصل لكده، ولما بدأت أشك، احتفظت بالمراسلات عشان لو احتجنا