اول يوم ليا في شغلي

نثبت أي حاجة.
حضنتها، وقلت لها
أنا مش زعلانة منك إنك معرفتيش كل حاجة. أنا زعلانة إننا وصلنا لمرحلة بقينا فيها خايفين نصدق بعض.
وبعدين بصيت لأحمد.
من النهارده، كل حاجة هتتراجع رسميًا. الحسابات، والعقود، والتحويلات، وأي توقيع باسمي. ومش هتنازل عن حقي لمجرد إننا عشنا مع بعض تمان سنين.
أحمد ما ردش.
بعد ثلاثة شهور…
كانت الشهور التلاتة دول أصعب فترة عدت عليا في حياتي.
قدمت أنا ومحاميّ المستندات الأصلية وصور التحويلات، وطلبنا مراجعة الحسابات المشتركة، وفحص التوقيعات محل الاعتراض، وتحديد المسؤول عن كل معاملة.
البنك راجع ملف التمويل، واتضح إن جزءًا من المستندات المقدمة محتاج تصحيحًا، وإن فيه توقيعًا منسوبًا ليا لم تثبت صحته في الفحص الأولي. وبناءً على ده، اتوقفت إجراءات الاعتماد على المستند المختلف عليه لحين استكمال المراجعة القانونية.
أما شركة فيرتكس، فدخلت في مراجعة مالية شاملة، واتضح إن حساباتها فيها التزامات أكتر بكتير من اللي أحمد كان معلنه لنسمة.
نسمة اكتشفت إن الشركة اللي كانت فاكرة إنها هتأمن مستقبلها، اتأسست على معلومات ناقصة، وإن بعض الأصول اللي اتقالها إنها مملوكة للشركة كانت مرتبطة بضمانات ونزاعات مالية.
سحبت نفسها من الإدارة، وقدمت المستندات اللي عندها للمحامي، وبدأت إجراءات مراجعة مسؤوليتها عن التوقيعات اللي ظهرت باسمها.
أما أحمد، فبقى مطالبًا بتقديم تفسير موثق للتحويلات والتصرفات اللي تمت خلال السنين اللي فاتت.
ولما اتراجع كشف الحساب المشترك، ظهرت حقيقة موجعة جزء من الفلوس اللي خرجت من حساباتنا اتصرف فعلًا في المشروع، وجزء تاني اتدفع في التزامات شخصية، ومش كل المبالغ كان ممكن استردادها فورًا.
لكن أهم حاجة حصلت إننا قدرنا نحدد المبالغ محل الڼزاع، ونفصل حقوقي الشخصية عن الالتزامات اللي أحمد دخل فيها من غير موافقتي المثبتة.
وبمساعدة المحامي، بدأت إجراءات استرداد المبالغ اللي ثبت حقي فيها، ومراجعة وضع شقتنا وأقساطها، وتأمين المستندات المتعلقة بميراث بابا.
أما النسخة الأصلية من اتفاق الاستثمار القديم، فكانت موجودة فعلًا في أرشيف مكتب المحامي اللي تعامل مع والدي.
ولما اتقارنت بالنسخ المقدمة بعد ۏفاته، ظهرت اختلافات جوهرية في الصلاحيات الممنوحة للوكيل.
النتيجة دي قلبت القضية كلها، لأن التحقيق مبقاش مجرد خلاف بين زوج وزوجته على فلوس، لكنه بقى نزاعًا على صحة مستندات، وحدود توكيل، وتصرفات مالية لازم كل شخص يثبت مسؤوليته عنها.
المواجهة الأخيرة
بعد ما بدأت الأمور تتكشف، أحمد طلب يقابلني في مكتب المحامي.
دخلت، لقيته قاعد قدام الترابيزة، وشكله متغير جدًا. مكنش الراجل اللي كنت أعرفه، ولا حتى الراجل اللي شوفته واقف قدام نسمة في الصور.
قال بصوت واطي
داليا، أنا عارف إن الاعتذار مش كفاية، بس أنا عايز أقولك الحقيقة من غير ما أخبي حاجة المرة دي.
قعدت قدامه، وقلت
اتكلم.
قال إنه دخل الاستثمار من سنين وهو مقتنع إنه هيحقق أرباح كبيرة، وإنه لما المشروع اتعثر، بدأ يستخدم أموالًا من الحسابات المشتركة علشان يسد الالتزامات. وبعدها دخل في معاملات جديدة علشان يعوض الخسائر، وكل ما كان بيخسر أكتر، كان بېخاف يعترف بالحقيقة.
ولما اتعرف على نسمة في إطار شغلهم، بدأ يقنع نفسه إنه يقدر يبني مشروعًا جديدًا وحياة جديدة، من غير ما يواجه المشاكل اللي سابها وراه.
سألته
وكنت ناوي تعمل إيه بيا؟
سكت طويلًا، وبعدها قال
كنت فاكر إني هسدد كل حاجة، وأرجع الفلوس، وبعدها أواجهك بالحقيقة.
هزيت راسي بحزن.
يعني كنت مستني اليوم اللي تقدر فيه تخبي عني أربع سنين من حياتك في جملة واحدة، وتقوللي خلاص يا داليا، كل حاجة اتصلحت!
دموعه نزلت، وقال
أنا بحبك.
بصيتله، وافتكرت كل مرة كنت مستنياه يرجع من سفرية، وكل مرة صدقته لما قال إنه مرهق من الشغل، وكل مرة كنت بحاول أقنع نفسي إن فتور الجواز مرحلة وهتعدي.
قلتله بهدوء
يمكن كنت بتحبني بطريقتك، لكن الحب مش تصريح إنك تتحكم في حياتي وفلوسي من ورايا. أنا كنت شريكتك، مش شخص من حقك تخبي عنه الحقيقة لحد ما تقرر تعترف.
وبعدين طلعت من شنطتي ورقة، وحطيتها قدامه.
كانت طلبًا ببدء إجراءات الانفصال، بعد ما استشرت محاميّ وعرفت حقوقي والتزاماتي.
أحمد بص للورقة، وقال
يعني خلاص؟
رديت
خلاص بالنسبة للثقة اللي كانت بينا. أما الحقوق المالية، فهتتحسم بالقانون. أنا مش هستخدم الانفصال علشان أهرب من حقي، ومش هتنازل عن حقي علشان أحافظ على شكل الجواز.
ما حاولتش أنتقم منه، ولا أفضحه قدام الناس، ولا أضيع مستقبله لمجرد إني اتوجعت.
كل اللي عملته إني بطلت أحميه من نتائج قراراته.
وبعد شهور من الإجراءات والمراجعات، اتوصلنا لتسوية موثقة بشأن جزء من المبالغ المستحقة، واستمرت المطالبات المتعلقة بالمبالغ الأخرى وفقًا للمستندات اللي ثبتت صحتها. أما أي مسؤولية عن التوقيعات المختلف عليها، ففضلت خاضعة للفحص والإجراءات القانونية، بدل ما تتحسم بالشك أو الاعترافات المتضاربة.
وأنا بدأت من جديد.
كملت شغلي، واهتميت بعيالي، ونقلت كل حساباتي الشخصية بعيد عن أي إدارة مالية مشتركة، وبقيت براجع أي ورقة قبل ما أمضي عليها، مهما كان الشخص اللي بيطلب مني التوقيع قريب مني.
أما نسمة، فاختارت تبعد عن أحمد، وبدأت تعيد ترتيب حياتها وشغلها بعيد عن المشروع اللي خسړت فيه وقتًا وفلوسًا وثقة.
وفي آخر لقاء بينا، قالتلي
عمري ما كنت أتخيل إن صورة على مكتبي هتغيّر حياتنا بالشكل ده.
ابتسمت بحزن وقلت
الصورة مغيرتش حياتنا يا نسمة. الصورة بس كشفت الحقيقة اللي كانت مستخبية.
وبعد سنة…
وقفت في شرفة شقتي الجديدة، ببص على عيالي وهما بيلعبوا في الصالة، وحسيت لأول مرة من سنين إن نفسي هادي.
مستحقاتي اللي ثبتت بالأوراق رجع جزء منها، وبقيت متابعة أي مبالغ تانية من خلال الإجراءات الرسمية. أما حق أبويا، فبقى محفوظًا بمستنداته الأصلية، بعيد عن الوعود والكلام اللي ملوش سند.
وفي يوم، وأنا برتب حاجات بابا القديمة، لقيت ورقة صغيرة كانت مستخبية جوه غلاف كتاب.
كانت بخط إيده، ومكتوب فيها
يا داليا، مش كل خسارة تبقى نهاية، ومش كل شخص قريب يبقى أمان. حافظي على قلبك، لكن متسيبيش قلبك يمنعك تشوفي الحقيقة. واللي يحبك بجد، مش هيطلب منك تثقي فيه بدل ما يديكي سبب للثقة.
حضنت الورقة لصدري، وعيطت.
مش عشان أحمد، ولا عشان الفلوس اللي راحت، لكن عشان فهمت أخيرًا إن أبويا كان بيحاول يسيبلي أكتر من ميراث.
كان بيحاول يسيبلي القدرة إني أقف على رجلي، حتى لو في يوم كل حاجة حواليا وقعت.
واتعلمت إن أصعب خېانة مش إن حد ياخد منك فلوسك، لكن إن حد يستغل ثقتك لدرجة تخليكي تشكي في نفسك وفي أقرب الناس ليكي.
لكن الحقيقة، مهما اتأخرت، بتفضل لها طريقة تظهر بيها.
وأنا، داليا رضوان، خسړت جوازًا كنت فاكرة إنه هيكمل العمر كله، وخسړت جزءًا من تحويشة سنين، لكني استعدت حاجة كانت أهم من كل ده
استعدت حقي في إني أعرف، وأختار، وأعيش من غير ما حد يقرر مصيري من ورا ضهري.
تمت بحمد الله.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *