جوزى حط حاجة

الورقة الصغيرة اللي لقتها جوه الظرف، وبدأت تقرا العنوان المكتوب عليها.
كان عنوان بيت قديم في منطقة هايد بارك، على بُعد حوالي نص ساعة من البنك.
طول الطريق، المحامي كان ساكت، وصوفيا كانت بتبص من الشباك وبتعيط في صمت.
أما أنا، فكنت بفكر في جملة أبويا اللي سمعتها في التسجيل
فيكتوريا مش بنتي البيولوجية.
يعني إيه؟! هو أنا طول عمري عايشة وسط عيلة مش عيلتي؟ وهل كل اللي وصلت له في حياتي كان مبني على كڈبة؟
لما وصلنا، لقينا بيت صغير محاط بسور حديد قديم، وفي الشباك زرع أخضر، وعلى الباب جرس نحاس.
نزلت من العربية وخبطت.
استنينا شوية، وبعدين سمعنا خطوات بطيئة من جوه.
الباب اتفتح.
وظهرت ست كبيرة في السن، شعرها أبيض، ووشها عليه علامات السنين، لكنها كانت محتفظة بنفس العينين اللي شفتهم في الصورة.
أول ما عينيها وقعت على صوفيا، حطت إيدها على بقها وهمست
يا نهار أبيض… إنتوا وصلتوا لبعض أخيرًا!
بصيت لها وأنا مش قادرة أستوعب كلامها.
حضرتك تعرفينا؟!
الست بصتلي طويلًا، وبعدين فتحت الباب على آخره وقالت
ادخلوا. فيه حاجات كان لازم تعرفوها من زمان، لكن أبوكي كان مخليني أوعده إني ما أتكلمش غير لما تيجوا إنتوا الاتنين بنفسكم.
دخلنا الصالة، ولقيت صور قديمة متعلقة على الحيطان. صور لأبويا، وأمي، والست دي، وأشخاص تانيين ماعرفتهمش.
لكن اللي خلاني أتجمد مكاني، كان برواز صغير على الرف.
جواه صورة لطفلة رضيعة، ملفوفة في بطانية بيضا، وعلى البطانية سوار مستشفى مكتوب عليه اسم واضح
فيكتوريا كولينز.
قربت من الصورة، وسألت الست
دي صورتي وأنا صغيرة؟!
هزت راسها ببطء.
أيوه يا بنتي.
وبعدين قعدت على الكنبة، وطلبت مننا نقعد قدامها.
اسمي إليانور. وأنا أخت أمك التوأم.
صوفيا رفعت راسها بسرعة.
يعني الست اللي في الصورة مش ماما؟!
إليانور ردت
لأ. دي أختي التوأم، إيلين. وهي أمكم… أو على الأقل، دي الحقيقة اللي كنت فاهمها لسنين طويلة.
قلبي دق پعنف.
يعني إيه كنت فاهمها؟!
إليانور بصتلي بحزن.
لأن ليلة ولادتك، حصلت مصېبة في المستشفى. كان فيه حريق في جزء من المبنى، واتنقلت أمهات وأطفال لأماكن مختلفة. وبعد الحريق، ظهرت سجلات ناقصة، وأسماء اتبدلت، وأطفال اتسجلوا على أسماء عائلات تانية.
المحامي اتدخل وسألها
عندك دليل على الكلام ده؟
إليانور قامت، وراحت ناحية دولاب خشب قديم، وطلعت صندوق صغير.
فتحته، وطلعت منه ورقتين، وصورة، ومظروف مختوم.
حطت الورق قدامنا وقالت
دي نسخ من سجلات المستشفى الأصلية. أختي إيلين احتفظت بيها قبل ما تختفي. وأنا فضلت أدور عليها سنين، لحد ما عرفت إنها كانت عايشة في مكان تاني باسم مختلف.
مسكت أول ورقة، لكن قبل ما أكمل قراءتها، إليانور مسكت إيدي وقالت
استني. لازم تعرفي إن فيه حد تاني كان عارف الحقيقة من البداية، وكان بيحاول يوصل ليكم قبل ما يحصل اللي حصل لماركوس.
سألتها بسرعة
مين؟!
بصت ناحية الشباك، وكأنها خاېفة يكون حد بيراقبنا.
والدتك.
صوفيا قامت من مكانها.
إنتِ بتقولي إن ماما كانت عارفة إننا اتبدلنا؟!
إليانور هزت راسها.
أختي إيلين كانت بتشك إن فيه حاجة غلط، وبدأت تجمع أدلة. لكن قبل ما تقدر تكشف الحقيقة، اختفت فجأة. أبوكم قال للناس إنها ماټت، لكن مفيش شهادة ۏفاة أصلية تثبت الكلام ده.
حسيت إن كل الأسئلة اللي عندي اتضاعفت.
طب هي فين دلوقتي؟!
إليانور فتحت المظروف المختوم، وطلعت منه خطاب قصير.
آخر مرة سمعت عنها كانت من شهر واحد بس. بعتتلي الرسالة دي، وقالتلي إنها هتتواصل معاكم لما تبقى قادرة تحميكم.
خدت الخطاب وبدأت أقرا
فيكتوريا وصوفيا،
لو الرسالة دي وصلتلكم، يبقى ماركوس بدأ ينفذ خطته، وده معناه إنه عرف إن المستندات الأصلية لسه موجودة.
متصدقوش أي حد يقول لكم إن تغيير هويتكم كان مجرد خطأ في المستشفى. اللي حصل كان مقصود، لكن الشخص اللي دبّر كل ده مش إدوارد وحده.
فيه شخص تالت كان موجود ليلة الحريق، وهو الوحيد اللي يعرف ليه اتبدلت الأسماء، وليه اتكتبت شهادة ميلاد فيكتوريا من غير اسم أمها.
لو عايزين تعرفوا الحقيقة، دوروا على الممرضة اللي كانت مسؤولة عن جناح الولادة في الليلة دي.
اسمها الحقيقي هو…
وهنا انتهت الرسالة.
الاسم كان ممسوح من الورقة، وكأن حد تعمّد يشيله.
المحامي أخد الخطاب وفحصه، وبعدين قال
نقدر نفحص الورقة ونعرف إذا كان فيه كتابة ممسوحة أو تعديل، لكن مش هنقدر نستنتج الاسم من غير دليل.
فجأة، موبايل صوفيا رن.
بصت للشاشة، واتجمدت.
المتصل كان ماركوس.
ردت على المكالمة، وحطت الصوت على مكبر الصوت.
جالنا صوته متوتر
صوفيا، إنتِ فين؟!
ردت پغضب
إنت مالك؟!
قال بسرعة
اسمعيني كويس. أنا عارف إنكم رحتوا البنك، وعارف إنكم دلوقتي عند إليانور.
بصينا لبعض پصدمة.
إزاي عرف مكاننا؟!
ماركوس كمل
لازم تخرجوا من البيت فورًا. فيه حد رايح لكم، ولو وصل قبلي، مش هتقدروا تعرفوا الحقيقة أبدًا!
صړخت فيه
إنت لسه فاكر إننا هنصدقك؟!
رد بصوت مخڼوق
مش بطلب منك تصدقيني. أنا بطلب منك تبصي وراكي!
في اللحظة دي، سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
إليانور قامت بسرعة، ووشها اتغير تمامًا.
بصت من الشباك، ولما شافت الشخص اللي نزل من العربية، رجعت لورا وهي بتهمس
مستحيل… ده كان المفروض يكون ماټ من سنين!
قربت من الشباك وبصيت.
كان راجل كبير في السن، لابس معطف أسود، وفي إيده عصاية، وبيمشي ناحية الباب بثبات.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما إليانور همست باسمه
إدوارد كولينز… أبوكي يا فيكتوريا!
قلبي وقف لحظة.
أبويا؟!
الراجل اللي ډفناه من تلات سنين؟!
وفجأة، خبط الباب تلات خبطات قوية، وجالنا صوته من بره
إليانور، افتحي الباب. أنا عارف إن البنات عندك، ولازم يعرفوا الحقيقة قبل ما ماركوس يدمّر حياتهم!
بصيت لصوفيا، ولقيتها بتترعش.
لكن قبل ما أي حد يتحرك، إليانور قربت مني وهمست
فيكتوريا، فيه حاجة لازم تعرفيها… الراجل اللي بره ده مش أبوكي.
ده أخو أبوكي التوأم، والشخص اللي اتهمناه طول السنين دي إنه ماټ في حريق المستشفى!
النهاية الحقيقة اللي قلبت حياة فيكتوريا وصوفيا!
فضلت باصة من الشباك للراجل اللي واقف قدام البيت، وأنا مش قادرة أصدق إن بعد كل السنين دي، لسه فيه أسرار جديدة بتظهر!
بصيت لإليانور وقلت
يعني إيه أخو أبويا التوأم؟! وإزاي عايش طول السنين دي من غير ما حد يعرف؟!
إليانور أخدت نفس طويل وقالت
اسمه ألكسندر. هو وإدوارد كانوا توأم، وفي ليلة الحريق اللي حصل في المستشفى، الناس افتكرت إن ألكسندر ماټ. لكن الحقيقة إنه نجا، واختفى بعدها. ولما رجع من سنين، اكتشف إن أخوه غيّر سجلات ولادة أطفال المستشفى، وإن فيه عائلات اتسرقت منها الحقيقة.
قبل ما أقدر أسألها أكتر، ألكسندر خبط الباب تاني وقال
افتحي يا إليانور! المرة دي مش هسيبكم تمشوا من غير ما تعرفوا كل حاجة!
المحامي فتح الباب، وطلب منه يدخل.
ألكسندر دخل ببطء، وبمجرد ما شافني، عينيه اتمَلوا بالدموع.
قال بصوت مبحوح
إنتِ شبه أمك أوي يا فيكتوريا.
قربت منه وقلت
إنت تعرف أمي فين؟!
هز راسه وقال
أيوه. وهي عايشة، ومستنياكي من سنين.
حسيت إن رجليّ مش شايلاني.
طب ليه سابتني؟! ليه خلتني أعيش عمري كله فاكرة إنها ماټت؟!
ألكسندر بص للأرض قبل ما يرد.
لأنها كانت بتحاول تحميكي من أخويا. إدوارد اكتشف بعد ولادتك إن فيه خطأ كبير حصل في تسجيل الأطفال، لكنه
بدل ما يصلحه، استغل الموضوع علشان يسيطر على ممتلكات عائلات غنية كانت بتتعامل مع المستشفى. أمك حاولت تكشفه، فاضطرت تختفي بعد ما وصلها ټهديد.
المحامي فتح الملف اللي معاه وقال
الكلام ده خطېر، لكن لازم نثبت كل تفصيلة بالمستندات الأصلية.
ألكسندر أومأ برأسه، وطلع من جيبه مفتاحًا صغيرًا.
المفتاح ده هيفتح صندوق تاني، في مكان مختلف. جواه سجلات المستشفى الأصلية، ورسائل إيلين، والمستندات اللي تثبت مين كان مسؤول عن تغيير الهويات.
صوفيا كانت واقفة في الركن، ووشها شاحب.
فجأة سألت
وأنا؟ أنا مين في الحكاية دي؟!
ألكسندر بص لها بحنان وقال
إنتِ بنت إدوارد بالتبني. أمك البيولوجية ماټت بعد ولادتك بفترة قصيرة، وإدوارد سجّلك بنته، وربّاكي وسط العيلة. إنتِ وفيكتوريا مش أختين پالدم، لكنكم اتربيتوا مع بعض، وده عمره ما كان كدبة في مشاعركم.
صوفيا اڼهارت في العياط.
يعني كل السنين اللي قضيتها وأنا بغير من فيكتوريا، كنت فاكرة إن أبويا بيفضلها عليّا من غير سبب؟!
قربت منها ومسكت إيديها.
إحنا الاتنين اتضحك علينا يا صوفيا. بس ده مش معناه إننا نكمل نأذي بعض.
بصتلي بندم وقالت
أنا غلطت لما صدقت ماركوس، ولما سكتّ عن اللي كان بيخططله. مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي، بس هساعدك ترجعي حقك.
وفي اللحظة دي، ألكسندر قال
فيه شخص واحد لازم تواجهوه قبل أي حاجة… ماركوس.
تاني يوم، المحامي رتّب مقابلة رسمية في وجود الشرطة، بعد ما قدّمنا التسجيلات والمستندات اللي جمعناها.
ماركوس حضر، وكان باين عليه الإرهاق، لكنه حاول يحافظ على هدوئه.
أول ما شافني، قال
فيكتوريا، أنا عارف إنك مش هتسامحيني، بس لازم تعرفي إن صوفيا كانت جزء من الخطة.
صوفيا ردت پغضب
متحاولش ترمي كل حاجة عليّا! إنت اللي كدبت عليّا، ووعدتني إنك هتساعدني أعرف الحقيقة، بينما كنت بتخطط تستولي على فنادق أختي!
المحقق حط قدام ماركوس التسجيلات والمستندات المزورة، وطلب منه يفسرها.
في الأول أنكر كل حاجة، لكن لما واجهوه بتفاصيل الخطة، انهار واعترف إنه حاول يستغل مرضي وتدهور صحتي علشان يستولي على ممتلكاتي، وإنه استخدم مستندات مزورة لتغيير المستفيدين من بعض الوثائق المالية.
واعترف كمان إن صوفيا كانت بتساعده في البداية، لكنها ماكنتش تعرف كل تفاصيل خطته.
أما موضوع الشوربة، فتم التحقيق فيه باعتباره شبهة تسميم، واتحللت العينات المحفوظة والأدلة المرتبطة بالواقعة. ما اعتمدناش على اعترافه وحده، وسلّمنا كل حاجة للجهات المختصة.
وبعد أسابيع من التحقيق، بدأت الحقيقة تظهر رسميًا، واتجمدت التصرفات المشكوك فيها المتعلقة بممتلكاتي، واتخذت الإجراءات القانونية اللازمة ضد ماركوس وكل شخص ثبت تورطه.
لكن أكبر مفاجأة كانت لسه مستنياني.
بعد شهر، وصلتني رسالة من أمي.
كان فيها عنوان صغير على أطراف المدينة، ومعاه جملة واحدة
لو لسه عايزة تشوفيني، أنا مستنياكي هنا.
سافرت للمكان وأنا إيدي بتترعش.
خبطت الباب، وبعد لحظات فتحته ست كبيرة في السن، شعرها أبيض وعينيها مليانين دموع.
أول ما شافتني، همست
فيكتوريا!
ماقدرتش أقول كلمة.
جريت عليها وحضنتها، وفضلت أعيط في حضنها زي طفلة صغيرة، كأني بحاول أعوّض سنين كاملة من الغياب.
قالت وهي بتمسح على شعري
سامحيني يا بنتي. كنت فاكرة إن اختفائي هو الطريقة الوحيدة اللي أقدر أحميكي بيها، لكني غلطت لما سبتك تكبري من غير ما تعرفي الحقيقة.
قعدنا ساعات نتكلم، وحكتلي كل اللي تعرفه عن ليلة المستشفى، وعن محاولاتها القديمة لكشف التلاعب في السجلات.
وبعد ما خلصت، سألتها
طب ليه أبويا الحقيقي ماحاولش يرجعني؟
مسكت إيدي وقالت
لأن الحقيقة إن إدوارد مش أبوكي البيولوجي، لكنه هو اللي ربّاكي. أبوكي الحقيقي ماټ قبل ما تعرفيه، وكان اسمه دانيال. وكنت محتفظة برسالة منه ليكي طول السنين دي.
طلعت من درج قديم خطابًا، عليه اسمي.
فتحته، ولقيت مكتوب فيه
إلى ابنتي فيكتوريا،
يمكن ما أكونش موجود في حياتك، لكن أتمنى تكبري وتبقي أقوى من أي حد يحاول يقرر مستقبلك بدلًا منك. ثروتك مش هي اللي بتحدد قيمتك، واسم عيلتك مش هو اللي بيصنع شخصيتك. إنتِ تستحقي تعرفي الحقيقة، وتعيشي من غير خوف.
حضنت الخطاب لصدري، وحسيت لأول مرة إن فيه جزءًا من حياتي رجع لمكانه.
بعد شهور، رجعت لشغلي، وبدأت أعيد تنظيم الفنادق والشركة تحت إشراف قانوني مستقل، وغيّرت كل أنظمة الحماية والتوقيع على العقود.
صوفيا بدأت تحاول تصلح اللي عملته، وطلبت مني فرصة نبدأ علاقتنا من جديد.
ما سامحتهاش في يوم وليلة، لكن مع الوقت، بدأت أفهم إننا الاتنين كنا ضحاېا أكاذيب قديمة، وإن الغيرة اللي كانت بيننا كبرت وسط أسرار محدش شرحها لنا.
أما ماركوس، فواجه الإجراءات القانونية بسبب اللي ثبت ضده، وانتهى زواجنا بالطلاق بعد ما استكملت الإجراءات اللازمة.
وفي آخر يوم من السنة، جمعت أمي وصوفيا وإليانور على العشا في بيتي.
نفس السفرة اللي كنت قاعدة عليها يوم ما ماركوس حط قدامي طبق الشوربة.
بصيت للترابيزة وافتكرت اللي حصل، لكن المرة دي ماحسيتش بالخۏف.
حسيت إني أخيرًا رجعت أملك حياتي.
رفعت كوباية الميه وقلت
النهارده مش بنحتفل بالفلوس ولا بالفنادق. إحنا بنحتفل إن الحقيقة ظهرت، وإن محدش قدر ياخد مننا حقنا في إننا نعرف إحنا مين.
أمي مسكت إيدي، وصوفيا حضنتني.
ولأول مرة من سنين طويلة، ضحكنا من قلبنا، من غير أسرار ولا تمثيل.
ومن يومها، فهمت إن أخطر حاجة ممكن تحصل للإنسان مش إنه يخسر فلوسه أو ممتلكاته… لكن إنه يعيش عمره كله وهو فاكر إن الكدبة اللي اتربّى عليها هي الحقيقة.
تمت النهاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *