مرات اخو جوزي بص
عندي، وما أمضيش على أي ورق جديد قبل ما يراجعه.
كنت لسه بقفل المكالمة لما جرس الباب رن.
أمي راحت تفتح، وبعد ثواني سمعتها بتقول باستغراب
أحمد؟ إنت جاي ليه دلوقتي؟
قلبي انقبض.
خرجت للصالة، ولقيت أحمد واقف عند الباب، ماسك كيس حلويات لابني، ووشه باين عليه إنه مانامش كويس.
أول ما شافني، قال
مريم، ممكن نتكلم لوحدنا؟
أمي ردت قبلي
اتكلم هنا يا أحمد. دي بنتي، وده بيتها، ومحدش هيضغط عليها عشان توافق على حاجة مش فاهماها.
بص لأمي بضيق، لكنه دخل وقعد.
حط كيس الحلويات على الترابيزة، وبصلي وقال
أنا عارف إنك زعلانة من اللي حصل امبارح، وعارف إن ماما غلطت لما اتكلمت عن الأكل بالطريقة دي. بس الموضوع كبر أكتر من اللازم.
قلتله
إنت جاي تعتذر عن الديك، ولا جاي تتكلم عن الورق؟
اتنهد وقال
الاتنين.
سكت شوية، وبعدين بدأ يحكي.
قال إن أبوه دخل في مشروع من فترة، وإن المشروع اتعطل، وإن عليه التزامات مالية أكبر من اللي كان متوقعها. أحمد ساعده في البداية، وبعدها دخل معاه في بعض الإجراءات المالية، لكنه أكدلي إنه مكنش قصده يورطني في أي حاجة.
سألته
طب اسمي جه في المستندات إزاي؟
رد بسرعة
أنا كنت فاكر إن الورقة اللي مضيتيها كانت مجرد إجراء إداري، وإن الموضوع مش هيترتب عليه أي التزام عليكي.
بصيتله بذهول.
إنت كنت فاكر؟ يعني إنت مضيتني على ورقة من غير ما تعرف هي بتقول إيه؟
سكت.
كملت
ولما سألتك امبارح عن الورقة، ليه مقلتليش الكلام ده من الأول؟ ليه كنت عايزني أرجع البيت بأي طريقة؟
فرك إيده في بعض، وقال
عشان كنت خاېف من رد فعلك، وخاېف إنك تفهمي الموضوع غلط.
قلتله
أنا مش محتاجة منك تخبي عني الحقيقة عشان تحميني. أنا محتاجة أعرف الحقيقة عشان أقدر أحمي نفسي.
ولأول مرة، أحمد ملاقاش رد جاهز.
لكن أنا كنت لسه عندي سؤال أهم.
طلعت موبايلي وورّيته صورة المستند اللي مرات أخو جوزي بعتهالي.
وشه اتغير أول ما شافها.
سألته
إنت تعرف الورقة دي؟
بص للصورة، وبعدها بصلي، وقال
أيوه.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
يعني إنت عارفها؟
قال بصوت واطي
دي ورقة كانت عند أبويا.
وعليها اسمي ليه؟
سكت فترة طويلة، لحد ما أمي تدخلت وقالت
يا أحمد، البنت بتسألك سؤال واضح. جاوبها.
رفع عينه ليا وقال
أنا مش عارف مين حط اسمك في النسخة دي، بس أنا هجيبلك كل الورق ونفهم الموضوع.
قلتله
لأ. أنا مش عايزة وعود. أنا عايزة المستندات الأصلية، وهراجعها مع المحامي.
قام من مكانه، وباين عليه الڠضب.
إنتي وصلتي لدرجة إنك تدخلي محامي بيني وبينك؟
رديت بهدوء
أنا مبادخلش حد بيني وبينك. أنا بتأكد من حقوقي. وده حقي.
فضل واقف يبصلي، وكأنه مستني إني أرجع في كلامي، زي كل مرة كنت بتراجع فيها عشان ما أزعلوش.
لكن المرة دي مارجعتش.
أخد مفاتيحه، وقبل ما يمشي قال
إنتي مش متخيلة اللي هيحصل لو الموضوع ده اتفتح قدام العيلة كلها.
سألته
إيه اللي هيحصل؟
مردش.
خرج، وقفل الباب وراه.
أمي قربت مني، لكن قبل ما تتكلم، موبايل أحمد اللي كان نسيه على الترابيزة بدأ يرن.
بصيت للشاشة.
كان اسم أبوه ظاهر.
أمي قالتلي
سيبيه، ده تليفونه.
كنت هسيبه فعلًا، لكن المكالمة انتهت، وبعدها وصلت رسالة ظهرت على الشاشة من غير ما ألمس الموبايل.
كانت من أبوه.
إياك تقول لمريم إن فيه نسخة تانية من العقد. لو عرفت إن النسخة الأصلية موجودة عند المحاسب، كلنا هنلبس في الحيط.
حسيت ببرودة في إيدي.
مكنتش عارفة إذا كان ينفع أستنتج أي حاجة من رسالة واحدة، لكن جملة النسخة الأصلية موجودة عند المحاسب كانت واضحة.
أمي قالتلي فورًا
ماتفتحيش أي حاجة تانية في تليفونه، وماتتصليش بحد من ورا ضهره. خدي اللي ظهر قدامك، وسيبيه هو يفسر كلام أبوه. والمحامي يتصرف بالطريقة الصح.
وافقتها.
بعد أقل من عشر دقايق، أحمد رجع ياخد تليفونه.
أول ما دخل، أخده بسرعة، وبص للشاشة.
عرف من وشه إنه شاف الرسالة.
قلتله
أبوك باعتلك رسالة مهمة.
رفع عينه ليا، وسأل بتوتر
إنتي قريتيها؟
قلتله
ظهرت على الشاشة، وشوفتها من غير ما ألمس تليفونك.
فضل ساكت.
سألته
إيه النسخة الأصلية اللي عند المحاسب يا أحمد؟
قعد على الكرسي ببطء، وحط إيده على وشه.
ولما رفع راسه، قال جملة مكنتش متوقعاها
مريم، أنا لازم أحكيلك حاجة عن اليوم اللي كنتي فيه في المستشفى مع ابننا.
قلبي دق بسرعة.
ماله اليوم ده؟
بصلي وقال
أنا مكنتش مسافر شغل زي ما قلتلك.
حسيت إن كل حاجة جوايا سكتت.
كمل بصوت متقطع
أنا كنت عند أبويا، وكان معانا المحاسب، وكنا بنحاول نحل مشكلة العقد. وفي اليوم ده حصلت حاجة… حاجة أنا خفت أقولك عليها من وقتها.
قربت منه خطوة وسألته
إيه اللي حصل؟
بص ناحية أمي، وبعدين رجع بصلي.
أبويا جاب ورقة عليها توقيعك، وقال إنك وافقتي على ضمان جزء من المديونية. أنا اعترضت، وقلتله إنك مكنتيش عارفة أي حاجة عن المشروع.
سألته پصدمة
وبعدين؟
قال
المحاسب قال إن فيه اختلاف بين الورقة اللي مع أبويا ونسخة تانية موجودة في ملف الشركة. وإن لازم يراجعوا التوقيع قبل ما يستخدموا أي نسخة.
سكت لحظة، وبعدين كمل
أنا كنت فاكر إن الموضوع انتهى عند كده، وإن محدش هيقدر يحمّلك أي مسؤولية من غير ما يثبت صحة الورق.
بصيتله وقلت
طب ليه مقلتليش؟
نزل عينه للأرض.
عشان أبويا هددني إنه لو فتحت الموضوع، هيعتبرني تخليت عنه وقت أزمته. وأنا كنت خاېف على شغلنا وعلى البيت.
قلتله
فقررت تخبي عني إن اسمي ممكن يكون موجود في عقد مالي؟
مردش.
كنت موجوعة، لكني كنت عايزة أعرف الحقيقة كاملة، مش مجرد الجزء اللي هو اختار يحكيه.
سألته
وإيه علاقة ده بعيد الشكر؟
رفع عينه ليا، وقال
أبويا كان عايزك تمضي على إقرار جديد، عشان يقدر يكمل إجراءات إعادة جدولة الدين. وكان فاكر إنك لما تسمعي إن ده هيساعد العيلة، هتوافقي.
سألته
وإنت كنت عايزني أوافق؟
اتردد.
والتردد ده كان كفاية يخليني أعرف إن الموضوع لسه مخلصش.
بعدها قال
أنا كنت عايز أخلص الأزمة من غير ما أخسر أبويا، ومن غير ما أخسرك.
رديت عليه
بس إنت كنت مستعد تسيبني أمضي على حاجة أنا مش فاهمة حقيقتها عشان تحافظ على الاتنين.
ما قدرش يرد.
وقبل ما أكمل كلامي، موبايله رن مرة تانية.
المرة دي كان المحاسب.
أحمد رد، وشغل السماعة الخارجية بعد ما المحاسب طلب منه يتأكد إني موجودة.
سمعنا صوته بيقول
أستاذ أحمد، أنا راجعت الملف اللي طلبته مني. فيه مشكلة فعلًا في المستندات، ولازم كل الأطراف المعنية تيجي المكتب بكرة.
أحمد سأله بقلق
مشكلة إيه بالظبط؟
المحاسب رد
مش هينفع أشرح التفاصيل في التليفون. لكن فيه اختلاف بين نسختين من العقد، وفيه مستند تالت لازم يتراجع قبل أي إجراء جديد.
وبعدين سأل سؤال خلانا أنا وأحمد نبص لبعض في نفس اللحظة
مدام مريم عارفة إن فيه مستند باسمها اتقدم للشركة قبل ما تمضي على ورقة التأمين اللي بتحكوا عنها؟
أحمد وشه شحب.
وأنا حسيت إننا أخيرًا قربنا من الحقيقة.
لكن قبل ما المحاسب يقفل، قال
وفيه حاجة كمان… المستند التالت مش موجود في ملف الشركة دلوقتي. آخر شخص استلمه كان والد حضرتك يا أستاذ أحمد.
أحمد قام واقف فجأة.
إنت متأكد؟!
رد المحاسب
متأكد من سجل الاستلام، لكن مش هقدر أقول إن ده معناه إن والدك أخفى المستند. لازم نعرف المستند راح فين، ونتأكد من محتواه.
المكالمة انتهت.
فضل أحمد واقف في نص الصالة، وأنا قاعدة قدامه، وكل الأسئلة اللي فضلت سبع سنين بأهرب منها بقت واقفة بينا.
وبعدين سألته بهدوء
بكرة لما نروح للمحاسب، هتقول الحقيقة كلها؟ حتى لو الحقيقة دي هتزعل أبوك؟
بصلي فترة طويلة، وقال
هقول الحقيقة.
لكن قبل ما أقدر أرد، موبايله وصلته رسالة جديدة من أبوه.
قرأها، وإيده بدأت ترتعش.
سألته
في إيه؟
مدلي الموبايل من غير ما يتكلم.
كانت الرسالة قصيرة جدًا
لو مريم راحت معاكم للمحاسب بكرة، يبقى لازم تعرفوا إن أنا مش الشخص الوحيد اللي مضى على الورق ده.
وتحت الرسالة مباشرة، كان فيه اسم شخص تاني.
شخص أنا أعرفه كويس جدًا…
اسم عمري ما تخيلت إنه ممكن يكون له أي علاقة بالدين ده.
يتبع…
فضلت باصة للاسم اللي ظاهر على شاشة موبايل أحمد، وبعدين رفعت عيني له وأنا مش مستوعبة.
الاسم كان اسم أخويا!
أخويا الكبير، اللي عمره ما دخل في شغل عيلة جوزي، ولا كان بينه وبين أبو أحمد أي تعاملات مالية على حد علمي.
بصيت لأحمد وقلت بصوت مهزوز
إيه علاقة أخويا بالموضوع ده؟!
أحمد خطڤ الموبايل من إيدي، وفضل يبص للرسالة كأنه بيحاول يلاقي تفسير مختلف للكلام المكتوب.
قلتله بعصبية
أنا بسألك! إنت عارف حاجة عن الموضوع ده؟
رد بسرعة
والله ما أعرف هو كاتب اسمه ليه.
يعني إيه مش عارف؟ أبوك بيبعتلك رسالة بيقول فيها إن أخويا مضى على الورق، وإنت مش عارف؟
حط إيده على راسه وقال
مريم، أنا محتاج أفهم زيك بالظبط.
كنت عايزة أصدقه، لكن بعد اللي حصل، مابقتش قادرة أعتبر كلامه حقيقة لمجرد إنه قاله.
أمي كانت واقفة جنبنا، ولما شافتني هنهار، قعدتني على الكنبة وقالت
استني يا بنتي. إحنا لسه منعرفش إذا كان اسم أخوكي موجود في العقد فعلًا، ولا أبو أحمد بيحاول يضغط على أحمد بيه. بكرة هنشوف الورق، وكل واحد هيتحاسب على كلامه.
أخدت نفس طويل، وقررت أتصل بأخويا.
رد عليا بعد رنتين.
أيوه يا مريم، عاملة إيه؟
سألته من غير مقدمات
إنت تعرف حاجة عن مشروع أبو أحمد؟
سكت شوية، وبعدين قال
إنتي عرفتي منين؟
السؤال ده خلاني أحس إن فيه حاجة فعلًا مخبيها عني.
قلتله
يعني إنت تعرف؟
اتنهد وقال
أيوه، أعرف إن فيه مشروع اتعطل، وإن أبو أحمد كان محتاج مساعدة مالية من فترة. بس ده مش معناه إني شريك فيه.
سألته
طب إيه علاقة اسمك بالعقد؟
رد بسرعة
استني، مين قالك إن اسمي في عقد؟
حكيتله عن رسالة أبو أحمد، وعن الورق اللي ظهر فيه اسمي، وعن ميعاد المحاسب تاني يوم.
أخويا سكت فترة طويلة، لدرجة إني افتكرت إن المكالمة فصلت.
وبعدين قال
مريم، أنا لازم أشوف الورق ده بعيني. لكن فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تروحي بكرة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
إيه هي؟
قال
من حوالي سنة، أبو أحمد كلمني وطلب مني أساعده في موضوع يخص شغل العيلة. قاللي إنه محتاج شاهد على اتفاق بينه وبين أحمد، وإن الموضوع مجرد تسوية حسابات. أنا رفضت أمضي على أي حاجة تخص فلوس أو ديون، لكن وافقت أروح أقابله عشان أفهم.
سألته
وقابلته؟
أيوه. رحت مكتبه، ولقيت المحاسب موجود. عرضوا عليا ورقة، لكن لما لقيت فيها كلام عن ضمانات مالية، قلتلهم إني مش هوقّع. ومشيت.
حسيت إن جزء من الصورة بدأ يوضح، لكن لسه فيه حاجة ناقصة.
قلتله
طب إزاي اسمك ظهر في الرسالة؟
رد
معرفش. بس أنا فاكر إن المحاسب احتفظ بنسخة من الورقة اللي رفضت أمضيها.
قبل ما أقفل، طلبت منه ييجي معايا بكرة.
وافق فورًا.
ولأول مرة من بداية الأزمة، حسيت إني مش لوحدي.
تاني يوم الصبح، رحت مكتب المحاسب أنا وأخويا وأحمد.
أبو أحمد كان موجود، قاعد على كرسي قدام المكتب، ووشه متجهم.
أول ما شافني، قال
أنا مش فاهم إيه لازمة كل الناس دي. الموضوع عائلي، وكان ممكن يتحل بيننا من غير ما نكبره.
رد أخويا بهدوء
لما يبقى فيه مستندات مالية باسمي واسم أختي، يبقى لازم نفهم الموضوع صح.
أبو أحمد بصله بحدة، لكنه مردش.
المحاسب طلب مننا