مرات اخو جوزي بص
نقعد، وبدأ يطلع الملفات من دولاب حديد في آخر المكتب.
قال
أنا مش هحكم على صحة أي توقيع، ومش دوري أحدد مين مسؤول قانونيًا. دوري أوضح المستندات اللي عندي، وأي خلاف لازم يتراجع مع محامٍ مختص.
فتح ملف، وطلع منه نسختين.
الأولى كانت اتفاق بين أبو أحمد وأحمد بخصوص مديونية المشروع.
والتانية كانت ورقة فيها بياناتي الشخصية، مع بند بيشير إلى ضمان سداد جزء من المبلغ.
بصيت للتوقيع الموجود تحت اسمي.
كان شبه توقيعي فعلًا، لكني مكنتش قادرة أجزم من صورة أو ورقة واحدة إذا كان توقيعًا صحيحًا أو لا.
قلت للمحاسب
أنا عمري ما شفت الورقة دي قبل كده.
رد
وده لازم يتراجع رسميًا. أنا أقدر أقول إن النسخة دي موجودة في الملف من تاريخ معين، لكن مقدرش أثبت مين وقّعها أو إذا كانت اتوقعت بموافقتك.
أبو أحمد اتدخل بسرعة
مريم كانت عارفة بالموضوع، وأحمد هو اللي كان بيتابع معاها.
لفيت ناحيته وقلت
إنت بتقول إني كنت عارفة، على أساس إيه؟
رد
أنا فاكر إن أحمد قاللي إنك موافقة.
بصيت لأحمد.
كان ساكت، ووشه متوتر.
قلتله
إنت قلت لأبوك إني وافقت؟
أحمد بلع ريقه، وبعدين قال
أنا قلتله إنك مضيتي على ورقة تخص إجراءات التأمين، لكن مكنتش أعرف إن فيه نسخة بالشكل ده.
أبو أحمد خبط بإيده على المكتب.
يعني إيه مكنتش تعرف؟ إنت اللي جبتلي الورقة!
المكتب كله سكت.
أحمد بص لأبوه پصدمة.
وأنا حسيت إننا وصلنا لأول تناقض واضح بينهم.
المحاسب طلب منهم يهدوا، وبعدين طلع ملف تالت من درج جانبي.
قال
دي النسخة اللي كنت بدور عليها من امبارح. كانت محفوظة في ملف قديم منفصل عن ملف المديونية.
فتح الورقة، وبدأ يراجعها.
وبعدين وقف عند صفحة معينة، ورفع عينه لأبو أحمد.
أستاذ محمود، الورقة دي مش نفس الاتفاق اللي اتعرض علينا في البداية.
أبو أحمد حاول ياخد الورقة منه، لكن المحاسب سحبها بهدوء وقال
استنى بس، خليني أوضح.
حط الورقة قدامنا.
كان فيها توقيع أخويا، لكن مش في خانة الضامن، زي ما كنا فاكرين.
كان التوقيع موجود في خانة الشهود، وتحتها ملاحظة مكتوبة بخط صغير
الشاهد لم يوافق على أي التزام مالي، ورفض التوقيع على نسخة الضمان.
أخويا بص للورقة وقال
أيوه، ده اللي حصل بالظبط. أنا رفضت أمضي على الضمان.
أبو أحمد اتلخبط، وبدأ يقلب في الأوراق.
المحاسب كمل
المشكلة إن النسخة التانية، اللي فيها بيانات مدام مريم، مفيهاش نفس الملاحظة. وعشان كده لازم نراجع أصل المستند، ونعرف إزاي النسختين اختلفوا.
بصيت لأحمد.
كنت مستنية منه أي تفسير، لكنه كان باصص للورق كأنه بيشوفه لأول مرة.
وفجأة، المحاسب قال
فيه حاجة تانية لازم تعرفوها. النسخة اللي فيها بيانات مدام مريم اتسجلت في الملف بعد النسخة اللي فيها توقيع أخوها بشهرين.
سألته
يعني إيه؟
رد
يعني لازم نعرف مين قدّم النسخة التانية، وإيه المستندات اللي اتقدمت معاها. أنا مش هقدر أجزم من السجلات الموجودة عندي إن فيه تزوير، لكن فيه اختلاف يستدعي مراجعة دقيقة.
أبو أحمد قام من مكانه وقال بعصبية
كفاية كلام في الموضوع ده! أنا مش هسمح إن شغل سنين يضيع بسبب سوء تفاهم.
أخويا رد عليه
ولا إحنا هنسمح إن اسمنا يتحط في التزامات مالية من غير موافقتنا.
في اللحظة دي، أحمد أخيرًا اتكلم.
يا بابا، أنا عايز أعرف الحقيقة. لو فيه ورقة اتقدمت باسم مريم من غير علمها، لازم نعرف مين عمل كده.
أبو أحمد بصله بنظرة قاسېة.
إنت دلوقتي واقف في صف مراتك ضدي؟
أحمد رد بصوت ثابت، رغم إن إيده كانت بتترعش
أنا واقف في صف الحقيقة.
مكنتش عارفة إذا كان ده معناه إنه اتغير فعلًا، ولا إنه أخيرًا بدأ يحس بخطۏرة اللي بيحصل.
لكن اللي حصل بعد كده هو اللي قلب الاجتماع كله.
المحاسب فتح سجل إلكتروني على الكمبيوتر، وبدأ يراجع تاريخ استلام النسخة المختلف عليها.
وبعد دقايق، قال
لقيت اسم الشخص اللي سلّم المستند للمكتب.
كلنا قربنا من الشاشة.
المحاسب لف الكمبيوتر ناحيتنا.
كان فيه اسم الموظف اللي استلم الملف، وتاريخ التسليم، واسم الشخص اللي سلّم الورق بنفسه.
أبو أحمد أول ما شاف الاسم، وشه اتغير تمامًا.
أحمد بص للشاشة، وبعدين رجع بص لأبوه.
أما أنا، فحسيت إن الډم انسحب من وشي.
لأن الاسم اللي ظهر على الشاشة مكنش اسم أبو أحمد، ولا اسم أحمد، ولا اسم أي موظف في الشركة.
كان اسم حماتي!
فضلت باصة للشاشة، ومش قادرة أفهم إزاي حماتي دخلت في موضوع مالي بالشكل ده.
أحمد قال بصوت مخڼوق
ماما هي اللي سلّمت الورقة؟
المحاسب رد بحذر
ده اللي مكتوب في سجل الاستلام. لكن ده لوحده مش دليل على إنها عارفة بكل تفاصيل المستند أو إنها غيّرت أي حاجة.
أبو أحمد قعد على الكرسي ببطء، ومبقاش بيتكلم.
وفي اللحظة دي، موبايل أحمد رن.
كانت أمه.
رد عليها، لكن قبل ما يلحق يتكلم، صوتها جه عالي من السماعة
أحمد، إنت فين؟ أبوك قاللي إن مريم راحت معاكم للمحاسب!
أحمد بصلي، وبعدين قال
أيوه يا ماما، إحنا هنا. وفيه ورق محتاج تفسير.
سكتت تمامًا.
وبعدين قالت جملة واحدة
إوعى تخليهم يفتحوا الملف الأزرق… مهما حصل، الملف ده لازم يفضل مقفول!
المحاسب رفع عينه من الشاشة، وبص لأبو أحمد.
وبعدين فتح الدرج السفلي من المكتب، وطلع ملف أزرق صغير.
قال بهدوء
تقصدوا الملف ده؟
أبو أحمد قام واقف فجأة، وأحمد مد إيده ناحية الملف.
أما أنا، فكنت حاسة إن الحقيقة اللي بندور عليها من امبارح بقت على بعد خطوات.
لكن أول ما المحاسب فتح الملف، وطلع أول ورقة منه، وقف مكانه وقال
استنوا… دي مش أوراق المديونية بس. فيه مستند هنا ممكن يغيّر فهمنا للموضوع كله.
وبعدين رفع الورقة، وبصلي مباشرة.
مدام مريم، إنتي تعرفي إن فيه حساب باسمك اتفتح من غير ما تكوني صاحبة التوقيع المسجل عليه؟
اتجمدت في مكاني.
حساب باسمي؟ أنا عمري ما فتحت حساب بالشكل ده!
والمحاسب لسه هيشرح، لما أحمد بص لأبوه وقال
بابا… إنت كنت بتستخدم اسم مريم في إيه بالظبط؟
أبو أحمد ماردش.
لكن حماتي، اللي كانت لسه على التليفون، بدأت ټعيط.
وقالت بصوت متقطع
أنا عملت كل ده عشان أحافظ على العيلة… بس والله ما كنت أعرف إن الموضوع هيوصل لكده.
وبعدها قفلت الخط.
ولأول مرة، حسيت إن المشكلة مش مجرد ورقة غلط أو دين متراكم… فيه قرار اتاخد من سنين، وكل واحد في العيلة كان مخبي جزء منه عن التاني.
والحقيقة الكاملة كانت لسه جوه الملف الأزرق.
يتبع…
المحاسب فضل باصص للورقة اللي طلعها من الملف الأزرق، وبعدين رجع حطها على المكتب وقال
قبل ما أي حد يستنتج حاجة، لازم أوضح إن فتح حساب باسم شخص مش معناه بالضرورة إن الشخص ده وافق عليه أو استخدمه. إحنا محتاجين نراجع المستندات الرسمية ونعرف مين قدّمها.
أخويا قرب من المكتب وقال
طيب، الحساب ده اتفتح إمتى؟
المحاسب راجع البيانات، وبعدها رد
من حوالي سنة ونص.
بصيت لأحمد بذهول.
سنة ونص!
يعني قبل ما أعرف أصلًا إن فيه مشكلة مالية عند عيلته، وقبل ما أبدأ أشك في أي حاجة.
سألت المحاسب
والحساب ده اتعمل فيه إيه؟
رد
فيه معاملات مالية مرتبطة بشركة المشروع، لكن أنا مش هقدر أقول إن مدام مريم مسؤولة عنها لمجرد إن اسمها موجود في الملف. لازم نراجع المستندات البنكية، ونتأكد من التوقيعات والصلاحيات.
أبو أحمد حاول يقفل الملف، لكن المحاسب منعه بهدوء.
معلش يا أستاذ محمود، الملف ده من ضمن المستندات اللي لازم تتراجع قبل ما نكمل أي إجراء.
أبو أحمد بصله پغضب وقال
إنت موظف عندي، مش محقق!
المحاسب رد بثبات
وأنا بحافظ على سجلات الشركة. أي مستند فيه اختلاف لازم يتراجع، وده في مصلحة الجميع.
لأول مرة أشوف حد بيتكلم مع أبو أحمد من غير ما ېخاف من رد فعله.
أما أحمد، فكان قاعد ساكت، باصص للأرض.
قربت منه وقلت
إنت كنت تعرف إن فيه حساب باسمي؟
رفع عينه ليا بسرعة.
لأ، والله ما كنت أعرف.
سألته
طب ليه أمك قالت إن الملف لازم يفضل مقفول؟
مردش.
والسكوت ده كان أصعب من أي إجابة.
بعد حوالي ساعة، اتفقنا إن المحاسب يجهز نسخ من المستندات المتاحة، وإننا هنراجعها مع محامٍ مستقل، من غير ما نمضي على أي إقرار جديد.
قبل ما نمشي، أبو أحمد وقف قدامي وقال
مريم، إنتي لازم تفهمي إن العيلة كلها هتتأذى لو الموضوع ده خرج بره.
بصيتله وقلت
وأنا لازم أفهم إن اسمي وحقوقي مش حاجة ينفع حد يستخدمها عشان يحمي العيلة.
رد بعصبية
إنتي مكبرة الموضوع!
أخويا اتدخل
لأ، هي بتطلب تعرف الحقيقة. وده حقها.
أبو أحمد لف وشه ومشي.
أما أحمد، ففضل واقف قدام المكتب، وكأنه مش عارف يروح مع أبوه ولا يمشي معايا.
قلتله
أنا راجعة عند ماما. ولما تعرف حاجة مؤكدة، كلمني.
قال
مريم، استني. أنا عايز أصلح اللي حصل.
بصيتله بحزن.
إنت مش هتقدر تصلح حاجة وإنت لسه مش عارف الحقيقة كاملة. وأنا مش هقدر أرجع أعيش كأن مفيش حاجة حصلت.
ومشيت.
عدى يومين، والمحامي بدأ يراجع المستندات.
خلال اليومين دول، أحمد اتصل بيا كتير. ساعات كان بيعتذر، وساعات كان بيحاول يقنعني أرجع البيت، وساعات كان بيقول إنه مش فاهم إزاي الأمور وصلت لكده.
لكن أنا كنت مصممة أعرف الحقيقة قبل أي قرار.
وفي تالت يوم، المحامي اتصل بيا وطلب إني أروح مكتبه أنا وأخويا.
أول ما قعدنا، حط قدامنا مجموعة أوراق وقال
أنا راجعت النسخ اللي قدرتوا تحصلوا عليها. لسه محتاجين المستندات الأصلية للتحقق النهائي، لكن فيه نقطة مهمة جدًا ظهرت.
سألته بقلق
إيه هي؟
قال
الورقة اللي عليها اسمك مش مجرد ورقة تأمين زي ما أحمد قالك. هي مرتبطة بإجراءات ضمان مالي. لكن لحد دلوقتي، مفيش أساس كافي نقول إن التوقيع صحيح أو إنك وافقتي على الالتزام. ده محتاج فحص رسمي.
حسيت پغضب شديد.
يعني أحمد كان بيقوللي إنها مجرد إجراءات تأمين، بينما الورقة مرتبطة بضمان مالي!
سألت المحامي
طب الحساب اللي باسمي؟
رد
فيه طلب فتح حساب ضمن المستندات، لكننا لسه بنتحقق إذا كان الحساب اتفتح فعلًا، ومين استخدمه، وهل فيه أي تفويض صحيح. الأهم إنك متعترفيش بأي مسؤولية، ومتوقعيش على أي ورقة قبل ما تتراجع.
وبعدين طلع ورقة تانية.
فيه حاجة كمان. فيه خطاب مرفق بملف الشركة بيقول إنك وافقتي على استخدام بياناتك في إجراءات المشروع.
بصيت للورقة.
في آخرها كان فيه توقيع باسم أحمد.
المحامي قال
التوقيع ده مش معناه لوحده إن أحمد ارتكب مخالفة، لكن الخطاب منسوب ليه، ولازم نسمع تفسيره ونراجع أصله.
حسيت إني محتاجة أقعد لوحدي وأفكر.
كل يوم بيظهر تفصيل جديد، وكل تفصيل بيخليني أعيد التفكير في مواقف كنت فاكرة إنها عادية.
افتكرت يوم ما أحمد طلب مني بيانات بطاقتي، وقال إنه محتاجها عشان يضيفني في تأمين عائلي.
وافتكرت إنه أخد صورة من بطاقتي، وإنه قاللي بعدها إن الموضوع خلص.
هل ده كان مجرد إجراء عادي؟
ولا البيانات دي اتستخدمت في حاجة تانية؟
مكنتش عارفة.
لكن المحامي أكدلي إننا مش هنقدر نوصل لنتيجة من غير مراجعة رسمية لكل المستندات.
في نفس الليلة، أحمد جه شقة أمي.
المرة دي مكنش معاه حلويات، ولا بدأ كلامه باعتذار طويل.
دخل وقعد، وبعد شوية قال
أنا عرفت ليه ماما كانت خاېفة من الملف الأزرق.
بصيتله من غير ما أتكلم.
كمل
أبويا كان عنده مشكلة في المشروع، وكان محتاج يثبت للشركاء