طلقني يوم ما اصدق
عشان يبص له، لأن الراجل كان أطول منه بكتير.
فضل الطفل يتأمله بفضول، وبعد لحظات مال براسه على جنب، كأنه بيحاول يفتكر هو شاف الوش ده فين قبل كده.
وبعدين قال له ببراءة
لو سمحت يا عمو؟
منير بلع ريقه، ورد عليه بصوت متوتر
أيوه يا حبيبي؟
بص له ابني كويس، وقال بكل عفوية
إنت شبه أوي الراجل اللي ماما حاطة صورته في أوضتها!
في اللحظة دي، منير اتجمد مكانه.
كأن حد وقف الزمن حواليه.
فضل باصص للطفل، وعينيه اتسعت من الصدمة، قبل ما يسأله بصوت مش قادر يخفي ارتباكه
صورة مين يا حبيبي؟
رد ابني ببساطة
الراجل اللي صورته في أوضة ماما.
من مكاني في الطرقة، كنت شايفة كل حاجة.
وشفت منير وهو بيرفع عينيه ويبص من ورا ابني، ناحية جوه الشقة.
بص على الأثاث القديم، والمساحة الصغيرة، والأوض اللي على قدّها، والحياة البسيطة اللي بنيتها لنفسي بعيد عنه.
كان واضح إنه بيدور بعينيه على أي علامة تدل إن في راجل تاني عايش معانا، أو إن في حد خد مكانه في حياتي.
لكنه ما شافش أي حاجة من دي.
ما كانش في أي أثر لراجل تاني.
رجع
بص لابني، وبدأت الأسئلة تظهر على ملامحه واحدة ورا التانية.
ليه لسه محتفظة بصورته بعد خمس سنين؟
وليه عايشة في الشقة البسيطة دي، رغم المبلغ الكبير اللي وافق يدفعه وقت الطلاق؟
والأهم من كل ده
مين الطفل اللي واقف قدامه بالظبط؟
كان واضح إنه بيحاول يربط كل حاجة ببعضها، لكنه مش قادر يوصل لإجابة.
وفي اللحظة دي، رفع عينيه أخيرًا وشافني واقفة في الطرقة.
اتقابلت عيوننا، وبعد صمت طويل، نطق اسمي من جديد
مريم؟
ما اتحركش أي واحد فينا.
هو واقف قدام باب شقتي، وأنا واقفة على بعد خطوات منه، وبيننا خمس سنين كاملة من الغياب، والۏجع، والأسئلة اللي ما اتسألتش.
ولأول مرة من يوم ما سبت بيته، أدركت إن منير على وشك يكتشف قد إيه من حياتي حصلت من غير ما يكون موجود فيها
وإن اللي جاي ممكن يغيّر كل حاجة كان فاكر إنه عارفها عني.
الجزء التاني الحقيقة اللي اتأخرت خمس سنين
فضلنا ساكتين كام ثانية، لكن بالنسبة لي حسيت إنهم عمر كامل.
كان منير لسه واقف عند عتبة الباب، مسنّد إيده على الحلق، وكأنه خاېف الأرض تتفتح تحته في أي لحظة. أما ابني، فكان لسه بيبص له بفضول الأطفال اللي عندهم خمس سنين، من غير ما يكون فاهم العاصفة اللي كلامه البريء عملها.
قلت بصوت حاولت أخليه ثابت
آدم يا حبيبي، ادخل أوضتك وكمّل الرسمة بتاعتك.
بص لي ابني وقال
بس يا ماما، الراجل…
قاطعته بهدوء حازم
دلوقتي يا حبيبي، لو سمحت.
بص لي، وبعدها بص لمنير، ومشي ناحية أوضته وهو بيجر رجليه على الأرض، لكنه وقف مرتين عشان يلف ويبص لورا بفضول.
ولما باب أوضته اتقفل أخيرًا، الصمت نزل علينا تقيل، وكأنه غطا مبلول مش قادرين نتخلص منه.
بعد لحظات قلت
اتفضل ادخل. أنا مش هتكلم معاك في الطرقة.
دخل منير ببطء، وبدأ يتلفت حواليه. بص على الكنبة القديمة اللي كانت متصلحة، والترابيزة المستعملة، والرفوف المليانة كتب أطفال.
كنت شايفة كل تفصيلة بتوجعه، وكأنها شظايا صغيرة بتدخل جواه.
وعلى التلاجة، كان فيه برواز رخيص جواه صورة لآدم وهو لسه مولود، نايم بين إيديا، وأنا ببص للكاميرا بابتسامة مرهقة وسعيدة في نفس الوقت.
كانت آخر صورة اتصورت لينا مع بعض.
منير شاف الصورة، وفضل باصص لها وقت طويل.
وبعدين سألني بصوت واطي، بالكاد قدرت أسمعه
عنده كام سنة؟
رديت بهدوء
خمس سنين.
كرر الكلمة وكأنها بتوجعه
خمس سنين!
وبص لي تاني.
مريم، لما