طلقني يوم ما اصدق

لك إني كنت قاسېة عليكي يا مريم، والسبب إني كنت خاېفة.
عقدت حواجبي وسألتها
خاېفة من إيه؟
نزلت عينيها وقالت
كنت خاېفة ابني يكون سعيد مع واحدة ما أقدرش أتحكم فيها.
الكلام نزل عليّا تقيل، لكن الحاجة نادية كملت، وكأنها أخيرًا قررت تواجه الحقيقة اللي هربت منها سنين.
أنا كدبت يومها يا مريم. وإنتِ عارفة ده، وأنا كمان عارفة. اخترعت حكاية الإهانة عشان كنت ڠضبانة، وعشان كبريائي ما كانش قابل إن ابني يخسر صفقة مهمة ويحس بالهزيمة.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
كنت محتاجة حد ألومه، فاخترتك إنتِ. كبريائي دمّر عيلة كاملة، وخدت مني خمس سنين من الصمت عشان أفهم إن العقاپ الحقيقي كان عقاپي أنا لنفسي.
فضلت ساكتة فترة طويلة.
افتكرت كل مرة حسستني فيها إني قليلة، وكل عزومة كانت بتبص لي فيها من فوق لتحت، وكل كلمة كانت بتقولها قدام الناس عشان تفهمني إني مش من مستواهم.
وافتكرت كمان آدم، اللي كان شايل ملامحها في عينيه، وابتسامتها المايلة، وعنادها اللي بيظهر كل ما يقرر حاجة.
أخدت نفس عميق، وقلت لها
أنا مش هقدر أنسى

اللي عملتيه. الچرح اللي سبتيه جوايا مش هيروح لمجرد إنك اعتذرتي.
هزت راسها، والدموع بدأت تتجمع في عينيها.
كملت كلامي
لكن في نفس الوقت، مش عايزة ابني يكبر وهو شايل جوا قلبه كراهية بسبب اللي حصل بيني وبينك.
بصيت لها بجدية وقلت
لو فعلًا عايزة تكوني جدته، يبقى لازم تكسبي مكانك في حياته زي ما منير بيعمل. واحدة واحدة، وبالتواضع، ومن غير أوامر ولا تدخل في حياتنا.
الحاجة نادية هزت راسها بالموافقة.
ولأول مرة من يوم ما عرفتها، شفت دموع حقيقية في عينيها، من غير ما تحاول تخبيها أو تتظاهر بالقوة.
في اليوم ده، قابلت حفيدها لأول مرة.
آدم ما كانش يعرف حاجة عن چروح الماضي، ولا عن الكذب اللي فرّق بين أمه وأبوه، ولا عن السنين اللي ضاعت من عمره من غير ما يكون أبوه جنبه.
كل اللي شافه ست كبيرة جاية تزوره، فراح جاب لها رسمة كان عاملها، فيها شوية ورد ملون.
الحاجة نادية أخدت الرسمة وضمّتها لصدرها، وحطتها في شنطتها بحرص شديد، كأنها كنز ما يتعوضش.
وعدت سنة تانية.
وفي ليلة صيف هادية، بعد ما نوّمنا آدم، قعدت أنا ومنير في بلكونة الشقة، بنسمع أصوات القاهرة البعيدة.
كان منير ساكت من فترة، وبيقلّب بين صوابعه علبة صغيرة مغطاة بالمخمل.
كنت واخدة بالي منها، لكن عملت نفسي مش شايفاها.
بعد شوية، بص لي وقال
مريم…
لفيت وشي ناحيته.
كمل كلامه بهدوء
أنا مش جاي أطلب منك تتجوزيني من جديد. مش النهارده على الأقل. عارف إن ماليش حق أستعجلك، وإن اللي حصل بينا ما ينفعش يتصلح بكلمتين حلوين.
فتح العلبة، ومدها ناحيتي.
جواها ما كانش فيه خاتم ألماس ضخم ولا حجر غالي يلفت النظر.
كان فيه خاتم فضة بسيط، فيه فص أزرق صغير.
خاتم شبه الخاتم اللي بابا كان جابه لأمي في أول عيد جواز ليهم، واللي كنت حكيت لمنير عنه مرة، في وسط كلام عادي بينا من سنين.
بصيت للخاتم، وبعدها رفعت عيني له وسألته بصوت واطي
إنت افتكرت الكلام ده إزاي؟
ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال
عشان كل كلمة قلتيها لي في يوم من الأيام، كنت بخزنها جوايا كأنها آخر حاجة فاضلالي منك.
مد إيده ومسكني من إيدي برفق.
أنا عايزك تحتفظي بالخاتم ده لحد اليوم اللي إنتِ تقرري فيه إنك مستعدة. لو أخد منك عشر سنين، هستنى عشر سنين. ولو اليوم ده ما جاش أبدًا، هفضل موجود.
سكت لحظة، وبعدين كمل
هفضل موجود كأب

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *