طلقني يوم ما اصدق

بعض. واحد طويل، وواحد متوسط، وواحد صغير. وفوقهم شمس صفراء كبيرة بشكل مضحك.
وفوق الشخص الأطول، آدم كان كاتب كلمة واحدة بحروف متلخبطة
بابا
منير ما قدرش يتمالك نفسه.
نزل على ركبته قدام ابنه، واڼفجر في العياط.
أما آدم، فببراءة الأطفال اللي لسه ما يعرفوش قسۏة الدنيا، رفع إيده الصغيرة وحطها على خد أبوه المبلول بالدموع.
وقال له
ما تعيطش يا عمو. ماما بتقول إن الآباء الكويسين بيعيطوا هما كمان.
غمضت عيني، لأني ما قدرتش أستحمل المنظر أكتر من كده.
يمكن الحياة ما بترجعش لنا كل حاجة بنخسرها.
لكن ساعات، لو كان عندنا حظ كفاية وشجاعة نواجه اللي حصل، الحياة بتدينا فرصة نبني من جديد.
الجزء التالت المرة دي، مش هسيبك
الشهور الأولى كانت اختبار صعب للصبر، اختبار ما كنتش أنا ولا منير عارفين إذا كنا هنقدر نكمله للآخر ولا لأ.
كل يوم سبت، كان منير بييجي الساعة عشرة الصبح بالظبط.
من غير سواق، ومن غير بدل غالية، ومن غير هدايا مبالغ فيها.
كان بييجي ومعاه كيس ورق فيه مخبوزات وحاجات حلوة من المخبز اللي في أول الشارع، لأن آدم

كان قال له مرة إنه بيعشق القرص بالعجوة.
كان يقعد على الأرض في الصالة، وسط المكعبات الخشبية والديناصورات البلاستيك، ويحاول يتعلم حاجة عمرها ما اتعلمها في اجتماعات الشغل ومجالس الإدارة.
إن الطفل اللي عنده خمس سنين محتاج حد يسمعه الأول، وبعدها يمكن يحتاج حد يجاوبه.
كنت بتابعهم من المطبخ، وماسكة فنجان القهوة بين إيديا، وقلبي متقسم بين الخۏف وأمل كنت رافضة حتى أعترف بوجوده.
كنت خاېفة من إن منير يتغير فترة قصيرة، وبعدها يرجع لنفس طباعه القديمة.
وخاېفة كمان إني أبدأ أصدقه، وأسمح له يقرب من قلبي، وبعدين ألاقي نفسي پتتوجع من جديد.
لكن مع مرور الوقت، بدأت أشوف حاجة مختلفة.
منير ما كانش بيحاول يشتري حب ابنه بالفلوس. كان بيحاول يكسبه بالوقت والاهتمام.
كان يسمع حكايات آدم الصغيرة، ويشاركه اللعب، ويستحمل أسئلته الكتير، حتى لما كان بيسأله نفس السؤال خمس مرات ورا بعض.
وفي يوم من أيام نص الشتا، حصل موقف خلاني أشوفه بعين مختلفة.
كان آدم بيتعلم يركب العجلة قدام العمارة، وفجأة وقع على الأرض واتخدشت ركبه.
قبل ما ألحق أنزل أجري عليه، كان منير سبَقني.
شاله بين إيديه، ومسح دموعه بإبهامه، وقال له بصوت حنون عمري ما سمعته منه قبل كده
أنا هنا يا بطل. مش همشي وأسيبك.
آدم خبّى وشه في رقبة أبوه، وفضل متعلق بيه وهو بيعيط.
أما أنا، فكنت واقفة ورا شباك الشقة، ماسكة في الحلق بإيديا عشان ما أنهارش.
في اللحظة دي فهمت إن الراجل اللي خرج من حياتي من خمس سنين، والراجل اللي شايل ابني دلوقتي، ما بقوش نفس الشخص.
منير بدأ يتعلم يعني إيه يكون أب بجد، مش مجرد اسم مكتوب في شهادة ميلاد.
وبدأ يفهم إن الحب مش سلطة، وإن المسؤولية مش فلوس، وإن وجودك جنب الناس اللي بتحبهم وقت الشدة أهم بكتير من أي وعد ممكن تقوله لهم.
أما الحاجة نادية، فاحتاجت تقريبًا سنة كاملة قبل ما تطلب مني السماح.
جت في يوم من أيام الربيع، لوحدها، من غير عقد اللولي اللي كانت دايمًا بتتباهى بيه، ومن غير مشيتها المتعالية اللي كنت حافظاها عن ظهر قلب.
كانت لابسة معطف بسيط، وإيديها بتترعش وهي واقفة في الطرقة مستنية إني أفتح لها الباب.
ولما فتحت، فضلت واقفة مكانها لحظات، وبعدها قالت بصوت كان واضح إنه اتغير مع السنين
أنا مش جاية أطلب منك تسامحيني.
بصيت لها من غير ما أرد.
كملت وهي بتاخد نفس طويل
أنا جاية أقول

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *