في ليله فرحي امي اللي سابتني

وعشرين سنة يا سعاد! افتكرتيني دلوقتي بس؟!
أمي نزلت عينيها في الأرض، وبلعت ريقها بصعوبة قبل ما ترد
عارفة يا بنتي… عارفة إني غلطت. أنا مشيت وسِبتك وإنتِ عندك أربع سنين. ودلوقتي راجعة بعد كل السنين دي ومعايا شقة، وكأني متخيلة إني أقدر أصلّح كل اللي عملته في يوم وليلة، صح؟
سكتت لحظة، وبعدها كملت بصوت مكسور
لأ يا ليان… أنا مش ساذجة للدرجة دي. وعارفة إن الشقة مش هتمحي اللي حصل، ولا هترجعلي السنين اللي ضاعت منك ومني. وأنا مش بحاول أشتري مسامحتك، ولا مستنية منك أي مقابل. أنا مش طالبة منك حاجة.
نادية، مرات أبويا، قربت مني وحطت إيدها على كتفي بحركة فيها تمثيل واضح للحنان، وقالت
يا حبيبتي، ما تبوظيش فرحتك وتكدّري ليلتك. الست عايزة تديكي هدية، خلاص خليها تديها، وإيه يعني؟!
أمي رفعت راسها وبصتلها مباشرة، بنظرة خلت ملامح نادية تتغير.
وقالت لها بنبرة حاسمة
أنا بتكلم مع بنتي يا نادية. أنا كنت جنبها أول أربع سنين من عمرها، لكن إنتِ بقالك أربعة وعشرين سنة بتتكلمي في ودنها وبتأثري عليها!
أحمد اتدخل بسرعة، ومد إيده وخطڤ المفاتيح من إيد أمي، وقال بابتسامة مصطنعة
خلاص
يا حماتي، سيبي المفاتيح معايا أحفظهالك عشان ما تضيعش. كفاية علينا مفاجآت ومشاعر النهارده، إحنا تعبنا من الفرح.
بصيت له بحدة، لكني ما اتكلمتش. ماكنتش عايزة أعمل ڤضيحة قدام الجرسونات والمعازيم اللي لسه موجودين.
أحمد بص لأمي وسألها باهتمام مبالغ فيه
طيب، الأوراق فين؟
أمي أشارت ناحية مدخل القاعة وقالت
على الترابيزة اللي جنب الأمانات، جوه الظرف. هتلاقوا العقد وأوراق الملكية كلها هناك. ربنا يسعدك يا بنتي.
لفّت ضهرها ومشيت، بنفس الهدوء اللي ظهرت بيه من شوية، وكأنها ما جتش غير عشان تسلّمني المفاتيح وتمشي.
أما أحمد، فراح بسرعة ناحية المدخل، جاب الظرف، وحط كل الأوراق في جيب بدلته.
بعد الفرح بكام يوم، رجعنا من شهر العسل.
أنا كنت شغالة مديرة تسويق في شركة كبيرة، وعندي شغل ثابت ودخل كويس. أما أحمد، فكان من النوع اللي كل شوية يبدأ مشروع جديد، ويقعد يحلم بالمكسب الكبير، لكن مشاريعه عمرها ما كانت بتكمل ولا بتجيب نتيجة.
في ليلة، وإحنا قاعدين بنتعشى، حط المعلقة على الطبق وبصلي بحماس، كأنه أخيرًا لقى الفرصة اللي هتغيّر حياته.
قال
بصي يا حبيبتي، أنا قدامي فرصة عظيمة.
في ناس عايزين يدخلوني شريك معاهم في مشروع استيراد معدات وماكينات من الصين. المكسب هيبقى كبير جدًا، وممكن ننقل حياتنا لمستوى تاني خالص.
بصيت له باهتمام وسألته
طب وإيه اللي موقفك؟
فرك إيديه ببعض، وقال بنبرة فيها ثقة مصطنعة
المشكلة الوحيدة هي رأس المال اللي محتاجينه في البداية. بس إنتِ عندك الشقة بتاعة والدتك، صح؟ لو بعناها دلوقتي، نقدر نحط الفلوس في المشروع.
بصيت له كأني مش مصدقة اللي سمعته.
نبيعها؟! إنت اټجننت يا أحمد؟!
ابتسم وحاول يقنعني
يا حبيبتي، إحنا بقينا فريق واحد. الشقة هتفضل مقفولة ومحدش بيستفيد منها، إنما الفلوس ممكن تشتغل وتجيب لنا أضعافها!
هزيت راسي برفض وقلت بحسم
لأ يا أحمد. أنا مش هبيع الشقة اللي أمي ادتهالي عشان أحط فلوسها في مشاريعك!
في اللحظة دي، ابتسامته اختفت تمامًا.
فضل باصصلي بثبات، وعينيه بقت غامقة بطريقة خوّفتني، وقال بصوت بارد
الشقة باسمك على الورق، صح. لكن إنتِ دلوقتي بقيتي مراتي، واللي يخصك يخصني. واللي يخصني يخصنا إحنا الاتنين.
حسيت ببرودة بتسري في جسمي، رغم إن الجو كان دافي.
ماكنتش أعرف وقتها إن الميدالية الصغيرة اللي أمي
حطت فيها المفتاح بإيدي، هتفتح باب

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *