انا عمري ما شفت

أما أمي، فكان حلمها مختلف ومناسب لقلبها. أسست عيادات طبية مجانية في المناطق الشعبية اللي الناس فيها مش لاقيه تمن الكشف. كانت دايماً تقول: “الفلوس دي لو فضلت مركونة عندنا ملهاش لازمة، بس بره.. ممكن تنقذ روح.” وأنا.. توليت منصب الرئيس التنفيذي. وجهت المجموعة كلها ناحية الاستثمار في مشروعات الطاقة النظيفة والاختراعات الجديدة. والأهم.. إن كل موظف عندي بقى حاسس بآدميته. مفيش حد بيتهان عشان يقبض مرتبه، ومفيش حد بيتعامل على إنه ترس في مكنة ملوش دية.

كل سنة، وفي نفس تاريخ يوم الفرح إياه، كنا بنتجمع في بلكونة بيتنا القديم. ماكناش بنحتفل باللي حصل، ولا كنا بنشمت في اللي وقعوا. كنا بنحتفل بالحاجة الوحيدة اللي فضلنا متمسكين بيها بعد العاصفة دي كلها: الكرامة.

في ليلة من الليالي دي، الهوا كان هادي، وأمي جابت صينية الشاي بالنعناع وحطتها قدامنا. أبويا كان قاعد على كرسيه الخشب القديم، بقميصه الفلانيل. بصيت حواليا.. البيت بسيط، الشارع هادي. مفيش بودي جاردات، مفيش عربيات فارهة سادة الطريق، مفيش ناس بتتصور معانا عشان تركب التريند. بس كان في حاجة أهم.. كان في سكينة. كان في عيلة عمرها ما باعت نفسها أو دنيتها عشان الفلوس.

رفعت عيني للسما، النجوم كانت بتلمع في الليل الصافي. أبويا رفع كوباية الشاي بتاعته، وابتسم ابتسامة راضية وقال: “للصدق.. وللعيلة.. وللشجاعة إن الواحد يفضل واقف على رجله مهما الدنيا رمت عليه طوب.” ضحكت من قلبي، وخبطت كوبايتي في كوبايته. أمي ضحكت وقالت: “وأهو شاي النعناع بتاعنا طلع أحسن من أي شمبانيا في الدنيا.” ضحكنا كلنا.

بصيت لأبويا.. وافتكرت بدلة الفرح اللي كان مأجرها. افتكرت وقعته في البسين، ونظرة شويكار ليه باحتقار كأنه حشرة. وافتكرت اللحظة اللي اكتشفت فيها إن الراجل اللي استقلوه واتريقوا عليه، هو الأساس اللي وقفوا عليه كلهم. بس ساعتها، محستش بالفخر عشان الفلوس، ولا عشان بقينا أصحاب الملايين والشركة والنفوذ.. الفخر الحقيقي كان إن أبويا فضل هو أبويا. فضل عبد الله راجل الورشة البسيط، الشريف، اللي اشتغل بإيده، ولما اتظلم سكت عشان يحمينا، ولما ربنا قدره وخد حقه.. ما استخدمش القوة دي عشان يفترس بيها حد، استخدمها عشان يبني ويصلح.

أبويا لاحظ إني سرحانة، فبصلي وقال: “سرحانة في إيه يا ياسمين؟” ابتسمت ورديت: “بفكر إن أغلى حاجة في الدنيا دي طلعت مش الفلوس.” سألني باهتمام: “أومال إيه؟” بصيتله هو وأمي بعيون مليانة حب وقلت: “إن الواحد يحط راسه على المخدة بالليل، وينام وهو مرتاح الضمير.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *