انا عمري ما شفت
بصيت ورايا ناحية أبويا وأمي. كانوا لسه مبلولين، وبيترعشوا من البرد والكسفة. حسيت بغصة سدت حلقي، وقلت في المايك: “أنا آسفة يا بابا.. وآسفة يا ماما.. آسفة إني خليتكم تستحملوا القرف ده كله عشاني.”
وفجأة.. كاوتش عربيات بيفرمل بقوة عند البوابة الرئيسية لفت انتباه الكل. البوابة الحديد الكبيرة اتفتحت، ودخلت خمس عربيات سوداء فخمة ورا بعض، وقفوا صف واحد جنب ساحة الفيلا. الأبواب اتفتحت في نفس اللحظة، ونزل منها رجالة وستات لابسين بدل رسمية، ملامحهم صارمة، وفي إيدهم ملفات وأظرف مقفولة.
واحد منهم اتجه ناحيتي بخطوات سريعة من غير ما يبص لحد. وقف قدام المسرح وقال بصوت واطي بس مسموع للي قريبين: “آنسة ياسمين، كل حاجة بدأت تتنفذ.” سألته: “والحسابات؟” رد بعملية: “اتعمل عليها بلوك، والتراجع بدأ من الدقيقة دي.”
وش حسام جاب ألوان، وبقى بيبص للرجالة بخوف وقال: “يعني إيه؟ دول مين؟” بصيت له ببرود وقلت: “دول ناس كانوا مستنيين مني إشارة واحدة.”
شويكار اتقدمت ناحيتي، بس المرة دي ماشيتها كانت مهزوزة، وصوتها فقد رنته المتعجرفة: “إنتي بتكدبي.. إنتي بتلعبي بينا!” ماردتش عليها. واحد من المحامين اللي نزلوا من العربيات فتح ملف في إيده، طلع ورقة رسمية ومدها لشويكار وقال بحسم: “محامي العيلة بتاعتكم اتبلغ من ربع ساعة بقرار التجميد. واتنين من محامينكم طلبوا بالفعل اجتماع طوارئ مع مجلس الإدارة.”
الورقة وقعت من إيد شويكار. حسام بص لأمه بصدمة، وبعدين بصلي وهو مش مصدق إن دي البنت اللي كان بيكسر بخاطرها من شوية. وأنا كنت واقفة قدامهم.. بهدوء، مرفوعة الراس. لأول مرة من يوم ما دخلت بيت عيلة الدمنهوري، أنا مش خايفة منهم. ولأول مرة.. هما اللي بقوا مرعوبين مني.
همهمات المعازيم بدأت تعلى وتملى المكان. الموبايلات لسه مرفوعة بتصور، بس مفيش حد بيضحك خلاص. شويكار كانت متنحة للورقة اللي في إيدها، عينيها بتتحرك على الكلام كأنها بتقرا طلاسم أو لغة مش فاهماها. أما حسام، فقرب مني بسرعة، مسك دراعي وسحبني بعيد عن الناس خطوتين، وقال بصوت واطي ومخنوق: “ياسمين.. مهما كان اللي بيحصل ده، نقدر نصلحه.” سحبت دراعي من إيده بمنتهى البرود، وبصيت له في عينه: “كان المفروض تفكر في الإصلاح وأمي بتغرق قدامك.”