انا عمري ما شفت
الساعتين اللي بعدهم عدوا كأنهم دهر. فريق المراجعين بتوعنا فتحوا الدفاتر القديمة وقدموا مستند ورا مستند. تحويلات مشبوهة، شركات وهمية، ملكية اختراعات متزورة، وعقود استحواذ. كل خيط كان في النهاية بيتربط باسم أبويا. تلاتين سنة من التلاعب المالي والنصب المقنن اتعرت قدام المحكمة ورقة ورقة. حتى الفيلات والقصور اللي عيلة الدمنهوري كانت بتتنطط بيها علينا وبتذلنا بيها، طلعت مبنية من دم وشقا راجل عاش عمره في ورشة. وفي النهاية، لما المحاسبين قدموا التقرير المبدئي بإجمالي الأصول المنهوبة والتعويضات والفوائد القانونية، الرقم خلى القاعة كلها تكتم أنفاسها. أكتر من أربعة مليار جنيه.
محامي عيلة الدمنهوري الكبير، اللي كان داخل القاعة نافش ريشه، مال ناحية والد حسام وبدأ يهمس له بسرعة وتوتر. ملامحه كانت بتنطق بالهزيمة المطلقة، الورق ضده بالكامل ومفيش أي مخرج. وقف المحامي ببطء، كتافه كانت متهدلة، صوته كان مهزوز ومتردد وهو بيقول: “سيادة المستشار…” سكت لحظة.. وبص ناحية موكله، كأنه لأول مرة في تاريخه المهني.. مش لاقي كدبة تنجد العميل بتاعه ولا مبرر ينقذه من السجن.
“سيادة المستشار…” المحامي اتلجلج وهو بيقوم من مكانه، صوته كان طالع بالعافية، “موكلي بيطلب تأجيل الجلسة لمدة ربع ساعة بس.. عشان نقدر نتناقش في شروط تسوية فورية ترضي جميع الأطراف بعيد عن ساحة المحكمة.”
وقفت أنا فوراً، وبصيت للمنصة بثبات وقلت بصوت مسموع للقاعة كلها: “مفيش أي تسويات في السر يا فندم. عيلة الدمنهوري لازم تتحاسب قدام الناس، وكل مليم يرجع بشفافية ومن غير أي اتفاقات غرف مغلقة.”
والد حسام فقد أعصابه، بصلي بنظرة كلها غل وكراهية، ونسي إنه قدام قاضي وقال بعصبية: “إنتي حتة عيلة صغيرة ومغرورة! فاكرة نفسك هتقدري تديري كيان زي مجموعة الدمنهوري؟ إنتي آخرك تصممي شوية كتيبات وتعملي إعلانات لجمعيات خيرية!”
قبل ما أرد، الأستاذ سامح ابتسم بهدوء وقال بصوت واثق: “ياسمين مش مجرد مصممة زي ما حضرتك اتوهمت. ياسمين خريجة حقوق بتقدير من الأوائل، ودرست قانون شركات وتمويل بشكل متخصص، وهي اللي راجعت كل العقود وجمعت كل المستندات دي بنفسها.. وهي اختارت تخفي ده عن حسام وعيلتكم طول الفترة اللي فاتت عشان تقدر توصل للحظة دي.”