انا عمري ما شفت

أخيراً.. أمي قربت مننا. كانت لسه مبلولة، وشعرها لازق على وشها، لكنها كانت ماشية بكرامة وهيبة تغطي على أي حد في المكان. وقفت قدامي وقالت بحنية وصوت هادي: “ياسمين.. يلا يا بنتي نروح بيتنا.” مسكت إيدها وضغطت عليها وقلت: “حاضر يا أمي.” بصيت ناحية حسام وشويكار بصة أخيرة، وقلت: “بس قبل ما نمشي.. في حاجة واحدة لسه لازم أخلصها.” ولفيت وبصيت للمعازيم كلهم..

الناس اللي كانوا واقفين متسمرين بيتفرجوا على أبويا وأمي وهما بيتهانوا، عيونهم دلوقتي كلها متعلقة بيا. بصيت لحسام بشكل مباشر، وكسرت الصمت اللي مالي المكان وقلت: “كان المفروض الليلة دي تبقى بداية حياتي مع جوزي.. بس بدل ما تكون البداية، بقت الليلة اللي الحقيقة كلها انكشفت فيها.”

سكت لحظة، وكملت بنبرة قاطعة: “أنا لا كنت عايزة فلوس عيلتك، ولا طمعانة في شركتكم، ولا حتى كان يهمني أشيل اسمك.. أنا كل اللي كنت عايزاه، إنك تحترم الناس اللي ربوني.”

المكان كله كان ساكت كأن على روسهم الطير، وفجأة.. الشاشة الكبيرة اللي ورايا اتغيرت للمرة الأخيرة. ظهرت صورة قديمة. صورة من ست سنين، فيها أبويا بيسلم على والد شويكار بعد ما مضوا العقد الأصلي.. والمفاجأة اللي قلبت الموازين، إن شويكار نفسها كانت في الصورة، واقفة ورا أبوها بتضحك وبتبارك!

المعازيم انفجروا في همهمات كلها صدمة ودهشة. يعني طول السنين اللي فاتت دي، وكل مرة كانت بتعامل فيها أبويا كأنه نكرة أو مجرد “صنايعي غلبان”، كانت عارفة كويس أوي هو مين ومقامه إيه، وكانت بتمثل ببراعة شيطانية. شويكار حطت إيدها على بوقها برعب كأن روحها بتتسحب منها، وحسام فضل باصص للصورة مبرق، مش قادر يستوعب حجم الكدبة اللي عاش فيها.

نزلت من على المسرح ببطء، ومشيت ناحية أمي. حطيت دراعي حوالين كتافها اللي لسه بتترعش من البرد، وقلت لها بهمس حنين: “يلا يا ماما.” ورا ظهرنا، كانت عيلة الدمنهوري بتغرق. محاصرين بالمحامين، وأعضاء مجلس الإدارة، والمراجعين، وفي ناس ببدل رسمية تبع الجهات المختصة بدأت تدخل الفيلا. ما كلفتش نفسي حتى أبص ورايا. فضلت ماشية بخطوات ثابته لحد ما وصلت للبوابة الخروج. وقبل ما أعدي الباب.. سمعت صوت حسام بيشق دوشة الناس وبيناديني بوجع: “ياسمين!” وقفت لحظة.. بس ما لفتش. ناداني تاني وصوته بيتهدج: “ياسمين!” كملت مشي للشارع، وقفلنا وراينا الباب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *