انا عمري ما شفت

حسام بصللي مبهوت.. كأنه بيشوفني لأول مرة في حياته. البنت الهادية، الغلبانة، اللي كان فاكرها عجينة طرية في إيده، واللي كان متأكد إنها هتبلع إهانة أهاليها وتسكت عشان ترضيه وترضي كبرياء أمه.. البنت دي طلعت سراب. دي كانت ياسمين الحقيقية اللي أسقطت إمبراطوريتهم.

القاضية راجعت آخر تقرير مالي قدمناه، قلبت في المستندات بحسم، وبعدها رفعت عينيها ناحية طاولة الدفاع وقالت بنبرة قاطعة: “قرار المحكمة واضح، بناءً على الشق المستعجل.” سكتت لحظة، والكل كتم أنفاسه، وكملت: “أولاً: يتم التحفظ الفوري على كافة أصول وشركات مجموعة الدمنهوري لحين انتهاء التحقيقات الجنائية. ثانياً: منع المدعى عليه من التصرف في أي أموال أو ممتلكات محل النزاع، مع إلزامه بتسليم جواز سفره للجهات المختصة فوراً لمنعه من السفر.”

شويكار شهقت بصوت عالي وحطت إيدها على قلبها. حسام فضل متسمر في مكانه، وشه أبيض زي الشمع، وعينه في الأرض. كملت القاضية: “ثالثاً: بناءً على المستندات الأصلية، يثبت بصفة مبدئية حق المدعي، السيد عبد الله، في نسبة 51% من الأسهم والحقوق المرتبطة بالأصول، وتنتقل له بموجب هذا الأمر الحقوق الإدارية والتنفيذية المترتبة على هذه النسبة لضمان سير العمل بالشركات.”

أمي غطت بوقها بإيديها وهي بتبكي من الفرحة المكتومة والصدمة. أما شويكار.. فكانت قاعدة مكانها ميتة إكلينيكياً، كأن الأرض اتخسفت بيها. الإمبراطورية اللي استخدمتها سنين عشان تدوس على كرامة خلق الله وتتعالى عليهم.. بتتهد فوق دماغها في دقايق معدودة.

وفجأة، الباب الخلفي للقاعة اتفتح، ودخل ضباط شرطة ببدل رسمية، واتجهوا مباشرة ناحية والد حسام. واحد منهم قال بصوت رسمي حاسم: “مطلوب القبض على حضرتك تنفيذاً لقرار النيابة في البلاغات المقدمة ضدك، بتهم التزوير، التلاعب في مستندات ملكية، الاستيلاء على أموال الغير، والإدلاء ببيانات كاذبة لجهات رسمية.”

صوت الكلبشات الحديد وهي بتتقفل على معصم والد حسام رن في قاعة المحكمة كأنه جرس نهاية المسرحية. الراجل اللي كان من ساعة واحدة بيهددنا.. مشي معاهم ناحية الباب الجانبي، رافع راسه بكبرياء كداب، بس عيونه كانت فاضية ومكسورة. ما بصش لشويكار.. ولا حتى رمى نظرة لابنه.

حسام خرج يجري ورا أمه من باب القاعة الرئيسي. شويكار كانت منهارة، بتعيط وتلطم، وبتحاول تداري وشها بشنطتها من فلاشات الكاميرات والصحفيين اللي متكدسين على سلالم المحكمة. لحقته بره عند العمدان الرخام. أول ما شافني، وقف. عينيه كانت مليانة دموع، صوته كان مكسور ومذلول وقال: “ياسمين.. أرجوكي اسمعيني، والله ما كنت أعرف إن أبويا عمل كل ده في عيلتكم!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *