انا عمري ما شفت

بعد حوالي تلت ساعة، جرس الباب رن. كان الأستاذ سامح، ومعاه اتنين محاسبين تقال متخصصين في قضايا الفساد المالي، ومندوب قضائي شايل ملف متضخم بأوامر المحكمة. سامح حط شنطته التقيلة على ترابيزة المطبخ، وبصلنا بانتصار: “محاولة السحب فشلت.” بصيت له بلهفة، فكمل: “البنك طلب تأكيد إضافي للهوية والتوقيع، فالعملية اتعمل عليها بلوك فوري.” اتنفست براحة وسألته: “قدرنا نجمّد أصوله جوه مصر قبل ما يحاول يهربها؟” ابتسم ابتسامة واسعة وقال: “القاضي مضى بالفعل على أمر تحفظ مؤقت.. يعني أي أصول باسم عيلة الدمنهوري، سواء حسابات أو عقارات، مقفول عليها بالضبة والمفتاح وممنوع التصرف فيها لحد ما التحقيق يخلص.” لف وبص لأبويا وقال بحسم: “دلوقتي فاضل خطوة واحدة يا أستاذ عبد الله.. إنك تقف قدام المحكمة وتطالب بحقك.”

أبويا بص للورق. إيديه الخشنة اللي شقيت سنين كانت بتترعش بخفة وهو بيلمس شهادات الأسهم القديمة. قال بصوت واطي وموجوع: “أنا قضيت تلاتين سنة غاطس في الشحم وتصليح المواتير.. عمري ما كنت طمعان أقعد في برج قزاز وسط حيتان بتاكل في بعضها.” قربت منه، مسكت إيده وقلت له: “إنت مش بتعمل ده عشان البرج يا بابا.. إنت بتعمله عشان الحيتان دي تعرف إن مش من حقهم يدوسوا على كرامة الناس لمجرد إن معاهم فلوس.” أمي قربت منه، وباست خده بحنية. جابت له بدلته الكحلي اللي كانت كاوياها ومجهزاها، حطتها قدامه وقالت بابتسامة تشق القلب: “قوم البس يا عبد الله.. كفاية عليك تستخبى لحد كده. الأوان جه إن البلد كلها تعرف مين اللي حط الأساس الحقيقي لشركة الدمنهوري.”

الساعة كانت تمانية ونص الصبح. وصلنا قدام مجمع المحاكم في القاهرة. المكان كان مقلوب صحفيين ومصورين وكاميرات. فضيحة الفرح كانت ولعت في البلد كلها من بالليل، والفيديو بتاع شويكار وهي بتزق أبويا في البسين كان تريند على كل منصات السوشيال ميديا. أول ما نزلنا من العربيات، المايكات اتمدت في وشنا زي المطر: “يا أستاذ عبد الله، هل فعلًا كنت شريك في مجموعة الدمنهوري؟” “يا أنسة ياسمين، الكلام عن المليارات المنهوبة ده حقيقي؟” “هل عيلة الدمنهوري نصبت على والدك؟” فلاشات الكاميرات كانت بتعمي العين، بس أنا فضلت رافعة راسي، ساندة أبويا، وما رديناش على نص سؤال. شقينا طريقنا ودخلنا مبنى المحكمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *