انا عمري ما شفت
بصيتله من فوق لتحت ببرود، وقولتله: “يمكن مكنتش تعرف تلاعب أبوك، يا حسام.. بس كنت عارف كويس أوي قذارة أمك وتعاليها على أهلي. كنت بتشوف كل ده بعينك، وتسكت وتطبطب عليها.” رد بسرعة وانهيار: “كنت بحاول أحافظ على البيت.. كنت بحاول أشتري الهدوء! أنا كنت بحبك يا ياسمين.. كان ممكن نبدأ حياتنا بعيد عن القرف ده كله!”
بصيتله شوية، وابتسمت بسخرية موجعة: “الحب بيخلينا نحمي اللي بنحبهم يا حسام.. يوم ما أبويا وأمي كانوا بيتحدفوا في البسين وبيتهانوا قدام عينيك.. إنت اخترت تحمي بريستيج عيلتك وكاس الشمبانيا بتاعك.” دموعه نزلت على خده بضعف، وقال بيأس: “طب أعمل إيه دلوقتي؟ كل حاجة راحت.. كل حاجة.” قلتله من غير أي ذرة شماتة، بس بحسم قاطع: “دور على شغل يا حسام.. وانزل اكسب قرشك بالحلال مرة واحدة في حياتك.. زي ما أبويا عاش تلاتين سنة بياكلها بعرق جبينه من غير ما يمد إيده لحد.”
سيبته واقف مكانه مشلول، ونزلت سلالم المحكمة إيدي في إيد أبويا، وسط الأستاذ سامح وفريقنا، والمايكات حوالينا من كل حتة. بس المرة دي.. ماكنتش بهرب. كل حاجة بانت، وكل واحد رجع لحجمه الطبيعي.
بعد الضهر في نفس اليوم، عربياتنا وقفت قدام مقر المجموعة الرئيسي. أول ما دخلنا من البوابة، أفراد الأمن اللي كانوا زمان بيطردونا لو قربنا، وقفوا انتباه وفتحوا الطريق لأبويا باحترام. ركبنا الأسانسير الخاص لغرفة اجتماعات مجلس الإدارة في الدور الأخير.
أعضاء المجلس والمديرين كانوا مجتمعين ومستنيين. الغرفة كانت هادية كأن فيها عزا. واجهات قزاز بتكشف القاهرة كلها، ترابيزة اجتماعات فخمة، وحواليها حيتان السوق.. كلهم دلوقتي قاعدين بيترعشوا ومستنيين مصيرهم. أبويا دخل بخطوات هادية، ثابتة. مشي بطول الترابيزة لحد ما وصل لكرسي رئيس مجلس الإدارة.. الكرسي اللي والد حسام كان قاعد عليه عشرين سنة بيحكم منه إمبراطوريته المسروقة. أبويا قعد. بص في وشوشهم واحد واحد. بعضهم كان عارف جزء من السر وساكت، والبعض التاني مرعوب على منصبه. ولا واحد قدر يحط عينه في عين أبويا.
قال أبويا بصوته الأجش الدافي: “يا جماعة.. من النهارده، الكيان ده هيرجع للأساس اللي اتخلق عشانه من تلاتين سنة.” سكت لحظة وكمل: “شغل نضيف، هندسة بضمير، وابتكار.. من غير سرقة وتزوير لحقوق الناس.” واحد من المديرين التنفيذيين سأل برعب وتلعثم: “طب.. طب واسم الشركة يا أستاذ عبد الله؟ السوق واقع ومصدوم، واسم مجموعة الدمنهوري متسجل في كل العقود والمناقصات.”