انا عمري ما شفت

كنت فاكرة إن الحكاية انتهت وخلصت عند كده. لكن كنت غلطانة. اللي حصل في ليلة فرحي ماكانش النهاية.. ده كان يا دوب رصاصة البداية.

قبل شروق الشمس بوقت قليل، هدوء أوضتي اتكسر على صوت رنة موبايلي. فتحت عيني بصعوبة، سحبت التليفون ورديت وأنا لسه بين النوم والصحيان: “ألو؟” الصوت اللي جه من الناحية التانية طيّر النوم من عيني وخلاني أنطر من على السرير أقعد: “آنسة ياسمين، ركزي معايا واسمعيني كويس.” كان صوت الأستاذ سامح. أقدم محامي أعمال في عيلتنا، والراجل اللي أبويا بيثق فيه أكتر من أي حد. بس المرة دي، نبرته كانت غريبة.. كان بيتكلم بسرعة وأنفاسه متقطعة كأنه بيجري. قال: “في محاولة سحب غير مصرح بيها حصلت من حوالي عشر دقايق.” قلبي دق بسرعة، وسألته: “سحب إيه؟” قال بصوت مكتوم: “من الحساب الخاص.. الحساب اللي أبوكي مخبيه من سنين.” سكت لحظة يبل ريقه، وكمل: “واللي حاول يعمل العملية، استخدم مفتاح التفويض الرئيسي القديم.. اللي كان باسم والد حسام.” اتعدلت أكتر في قعدتي، وقلت بذهول: “أبو حسام؟ بس إزاي! امتيازات شويكار التنفيذية اتجمدت من امبارح، ومحدش يقدر…” قاطعني بحسم: “مش شويكار يا ياسمين.. والد حسام نفسه.” اتنفست ببطء وأنا بحاول أستوعب: “يعني إيه؟” رد بصوت تقيل مرعب: “والد حسام رجع.”

الكلمة نزلت عليا زي التلج. أبو حسام مختفي بقاله شهور، وكل اللي بيتقال في العيلة وفي السوق إنه مسافر بره بيتعالج وحالته متأخرة ومبعد عن الشغل. لكن ظهوره المفاجئ في اللحظة دي.. وبمحاولة سحب من حساب سري، كان معناه إن اللعبة لسه ماخلصتش، وإن اللي جاي أخطر.

قمت من السرير وخرجت من الأوضة براحة. النور كان لسه مزرق في الصالة. دخلت المطبخ.. لقيت أبويا هناك. كان لابس جلابية البيت، وواقف بيصب كوبايتين قهوة ريحتهم مالية المكان. حط واحدة قدامي، وبصلي بهدوء غريب وقال: “سمعتي من الأستاذ سامح، صح؟” بصيت له باستغراب: “أيوة يا بابا.. بس هو في حساب إيه أصلاً اللي أنا معرفش عنه حاجة ده؟” أبويا ماردش. ساب القهوة، وراح ناحية دولاب خزين قديم في المطبخ، فتح درفته، وطلع من ورا خالص صندوق خشب صغير قشرته مقشرة. حطه على ترابيزة السفرة الصغيره، وقعد يفتح أقفاله النحاسية المصادية واحدة واحدة. الصندوق اتفتح.. وبمجرد ما شفت اللي جواه، لساني اتربط. رسومات هندسية قديمة، ورقها مصفر، مرسومة بخط إيد أبويا. شهادات براءات اختراع. عقود ملكية قديمة، ودفاتر حسابات متآكلة من الأطراف. مسكت دفتر منهم بفتحه، لقيت تاريخه من أكتر من خمسة وعشرين سنة. رفعت عيني لأبويا بصدمة: “إيه ده يا بابا؟” اتنهد تنهيدة شالت هموم سنين، وقال: “قبل ما عيلة الدمنهوري يبقى عندها كل العز والنفوذ ده.. أنا ووالد حسام كنا شركا.” اتجمدت مكاني كأن حد كب عليا ميه ساقعة: “شركا؟” هز راسه وأشار للورق المفرود قدامي: “أيوة. إحنا اللي بدأنا كل حاجة من الصفر.” فضلت أقلب في الأوراق وإيدي بتترعش. كل براءة اختراع، كل تصميم تقيل، اسم أبويا كان منور فيه كأساس. بصيت له وقلت: “يعني كل اللي بنوه ده كان معتمد على شغلك؟” أبويا هز راسه وقال بمرارة: “مش كله.. لكن الأساس والعصب كان شغلي أنا، وإدارته هو.” بصيت في الأوراق، وفي ثانية، كل حاجة ربطت في دماغي. شهقت وقولت: “يبقى والد حسام ما استولاش على حقوقك من ست سنين بس في التوسعة الأخيرة.. ده بنى إمبراطورية عيلته كلها على شقاك وأبحاثك من البداية!” سكت شوية، عينيه سرحت في الماضي وقال: “كان بينا حساب أمان اتأسس من تلاتين سنة. الحساب ده كان جواه نسبة كبيرة من حقوق التصويت والأسهم اللي تضمن حقي، وكل ده كان تحت إدارة صندوق أمان مستقل عشان محدش يقدر يلعب فيه.” سألته وأنا حاسة بقهرة: “طب إزاي قدر ياخد كل ده؟” أبويا ضحك ضحكة قصيرة مكسورة: “لعبها صح. أسس شركات وهمية بأسماء ناس تبعه، وبدأ يسرب الملكيات ويحولها واحدة واحدة من ورايا، وبعدين جابني وقنعني إن المشروع فشل وبيصفي، وإن مفيش فايدة.” صوتي علي غصب عني من الوجع: “وإنت سكت؟ إزاي تسكت على كل ده؟” فضل ساكت فترة طالت، وبعدين بصللي بعينين مليانة عجز وقال: “كان مهددني.” اتخضيت: “مهددك بإيه؟” رفع عينه ناحية باب المطبخ. أمي كانت واقفة مسندة على الحيطة وبتسمعنا. قال بصوت مهزوز: “هددني إنه يدمر مستقبل أمك وشغلها وسمعتها.. ووقتها هو كان عنده نفوذ وعلاقات توديني أنا وهي ورا الشمس. فاخترت أمك.. واخترتك.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *