انا عمري ما شفت

جوه القاعة الامور المستعجلة ، والد حسام كان قاعد في مكانه. راجل في أوائل الستينات، أنيق جداً، شعره متسرح بعناية، بس عينيه فيها قسوة وشر تخلي أي حد يتوتر وهو باصصلها. جنبه شويكار، متدارية ورا بالطو غالي ونضارة شمس ضخمة رغم إننا جوه قاعة مقفولة، بس إيديها اللي بتترعش كانت فضحاها. حسام كان قاعد وراهم في آخر صف، باصص للأرض، ومش قادر يرفع عينه في عيني لحظة واحدة.

والد حسام مال بجسمه ناحية أبويا، ومن بين سنانه قال بنبرة فحيح كلها تهديد: “كان أكرم لك تفضل مدفون في ورشتك يا عبد الله.. إنت مش هتطول مني جنيه أحمر.” أبويا بصله بهدوء وثبات تام، وماردش الإساءة، بس قاله كلمة واحدة: “أنا مش جاي ألم فلوس.. أنا جاي أرجع الحق لأصحابه.” والد حسام جز على سنانه بغل، وفي اللحظة دي، حاجب المحكمة نادى. الكل وقف. دخلت هيئة المحكمة والقاضية قعدت مكانها.

وبعد ما الكل قعد، القاضية قالت بصرامة: “الجلسة منعقدة للنظر في الشق المستعجل بخصوص نزاع ملكية حقوق فكرية وتجارية، وادعاءات بتزوير وإخفاء مستندات وتلاعب في أصول مجموعة الدمنهوري.” الأستاذ سامح وقف فوراً وقال بثقة: “سيادة المستشار، دفاع المدعي بيقدم لعدالتكم دفاتر حسابات أصلية، ومستندات ملكية، وملفات براءات اختراع قديمة تثبت إن موكلي، السيد عبد الله، هو صاحب النصيب الأكبر في الأصول محل النزاع.” محامي الخصم نط من مكانه: “اعتراض يا فندم! المستندات دي مر عليها عشرات السنين، وأي مطالبات مالية بيها سقطت بالتقادم المانع لسماع الدعوى!” القاضية بصت له بحدة وقالت: “التقادم لا يحمي إخفاء الحقوق والتلاعب بالمستندات بسوء نية.. خصوصاً لو ثبت وجود تزوير جنائي متعمد.” المحامي سكت وبلع ريقه. والد حسام بصله بعصبية ومسك في طرف الترابيزة بإيده.

الأستاذ سامح فتح ملف أزرق، وطلع منه ورقة وحطها قدام القاضية: “وده يا فندم مستند أخطر.” القاضية بصت في الورقة، ورفعت عينيها: “المستند ده مقدم من إمتى؟ وإيه مضمونه؟” سامح رمى القنبلة في القاعة: “من حوالي تمانية وعشرين سنة يا فندم.. وهو إعلان رسمي بوفاة السيد عبد الله قانونياً خارج البلاد. استخرجه المدعى عليه عشان يستولى على كامل الحصص.”

همهمة زلزلت القاعة. شويكار شهقت بصوت عالي وبصت لجوزها برعب. حسام رفع راسه لأول مرة، ملامحه كانت بتنطق بالصدمة، صرخ في أبوه من غير ما يحس: “إنت أعلنت وفاة شريكك؟ عملت كده إزاي؟!” أبوه لف له وزعق فيه بجنون: “اخرس! إنت حتة عيل متعرفش حاجة عن إزاي الكيانات دي بتتبني!” حسام رجع لورا مذهول، والقاضية خبطت بالمطرقة بعنف: “هدوء في القاعة! أي تجاوز أو إخلال بالنظام هأمر بحبس المتسبب فوراً وإعتباره إهانة للمحكمة.” القاعة سكتت كأن على روسهم الطير، والقاضية شاورت لسامح: “كمل.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *