هو الراجل ده مش هيخلص تنظيف

مكنتش عايزة أحول البيت لقصر، ولا أخليه مكان فخم ملوش روح. كنت عايزاه يفضل زي ما هو، دافي وبسيط، مليان ذكريات حلوة، بس من غير خوف ولا قلق على بكرة.

حطيتله كرسي خيزران مريح في البلكونة، جنب شجرة الليمون القديمة، وبقى كل عصر يقعد عليه يشرب الشاي ويبص على الغيطان.

كان بيقول لي إنه ساعات بيحس إن أمي قاعدة جنبه، وإن ريحة الليمون بتفكره بأيام زمان.

وفي يوم جمعة، رحت أزوره، فلقيته بينضف برواز صورة قديمة ليا وأنا طفلة، لابسة مريلة المدرسة وشعري معمول ضفيرتين.

رفع الصورة وبصلي بابتسامة دافية.

“فاكرة الصورة دي يا ياسمين؟ كنتي وقتها صغيرة، لكن طول عمرك جدعة وبتعرفي تقفي على رجلك.”

ضحكت وقعدت جنبه.

“أنا اتعلمت ده منك يا بابا. إنت اللي علمتني إن الإنسان لازم يحافظ على كرامته، حتى لو الدنيا كلها وقفت ضده.”

فضل باصص للصورة شوية، وبعدها قال بصوت هادي:

“بس أنا سمحتلهم يهينوني يومها.”

مسكت إيده وقلت:

“إنت كنت فاكر إنك بتنقذ بنتك. قلب الأب عمره ما بيحسبها بالطريقة اللي الناس التانية بتحسب بيها. إنت عملت اللي عملته علشان كنت خايف عليا، ومفيش حاجة في ده تقلل منك.”

بصلي بعينين مليانين حنان، وبعدها ابتسم.

“ربنا يخليكي ليا يا بنتي.”

في اللحظة دي، حسيت إن كل التعب اللي عديت بيه كان يستاهل علشان أوصل للحظة دي. أبويا قاعد في بيته، في أمان، وبيشرب الشاي في البلكونة اللي بيحبها، من غير ما حد يهينه أو يخوفه أو يحسسه إنه عبء على حد.

بعد ما رجعت من الشرقية، وقفت في شرفة شقتي، وبصيت للمدينة وهي بتنور واحدة واحدة.

افتكرت السنين اللي فاتت، وإزاي كنت فاكرة إن النجاح معناه إني أقدر أشيل مسؤولية كل اللي حواليا، وأدفع كل الفواتير، وأحل كل المشاكل، وأسكت عن أي حاجة تضايقني علشان البيت يفضل هادي.

كنت فاكرة إن الست القوية هي اللي تستحمل أكتر، وتسـامح أكتر، وتتنازل أكتر.

لكن اللي حصل خلاني أفهم إن القوة مش معناها إنك تفضل تتحمل الإهانة لحد ما تتكسر.

القوة إنك تعرف إمتى توقف، وإمتى تقول لأ، وإمتى تحط حدود بينك وبين الناس اللي مش بتقدّر وجودك.

طارق خسر جوازه وثقتي فيه، وخسر الفلوس اللي كان بيحلم إنها هتخليه أغنى من الكل. وسعاد وهند اضطروا يواجهوا نتيجة اختياراتهم، بعد ما كانوا فاكرين إنهم يقدروا ياخدوا كل حاجة من غير ما يدفعوا تمنها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *