في ليله فرح ابني
محمود بص لي وقال:
«هتعملي إيه دلوقتي؟»
قلت:
«مش هعمل أي حاجة النهارده. هسيب كريم يهدى، وأفكر بهدوء.»
لكنه قال:
«خلي بالك من حاجة. إنتِ مش مطالبة تثبتي إنك غنية، ولا إنك متعلمة، ولا إنك تقدري تشتري شقق ودهب. اللي يحترمك، يحترمك من غير كل ده.»
الجملة دي فضلت ترن في ودني.
أنا فعلًا ما كنتش محتاجة أثبت حاجة لأي حد.
طول عمري كنت بختار أعيش ببساطة، رغم إني كنت أقدر أعيش بطريقة مختلفة تمامًا.
الناس كانت شايفاني ست بيت، وكنت فخورة بده.
لكن محدش كان يعرف إن حياتي ما كانتش مجرد مطبخ وطلبات بيت.
قبل ما أتجوز محمود بسنين طويلة، كنت بدرس اللغات، واشتغلت فترة في الترجمة، وسافرت مع والدي في شغله، واتعلمت من تجاربي أكتر بكتير مما كنت أتخيل.
بعد الجواز، لما كريم اتولد، قررت أركز مع بيتي وابني.
ما كانش قرار ندمانة عليه يومًا.
لكن ده ما معناهش إني نسيت اللي اتعلمته، ولا إن بساطتي معناها إني مش بفهم.
وأكتر حاجة وجعتني إن نادين حكمت عليا من شكلي وهدوئي، من غير ما تعرف أنا مين.
بعد حوالي ساعة، سمعت صوت المفتاح في الباب.
كريم دخل، ووشه كان مرهق.
قرب مني وباس راسي، وقعد على الكرسي المقابل.
قال:
«ماما، أنا آسف.»
بصيت له.
«على إيه يا حبيبي؟»
«على اللي حصل في الفرح. كان المفروض أكون واخد بالي أكتر.»
مسكت إيده.
«إنت ما كنتش تعرف هي قالت إيه.»
قال:
«يمكن. بس أنا عارف إنك ما كنتيش هتعملي مشكلة من غير سبب.»
سكت لحظة، وبعدها سألني:
«إنتِ فعلًا بتتكلمي ألماني؟»
ابتسمت.
«أيوه يا حبيبي.»
رفع حاجبه باستغراب.
«إنتِ بتتكلمي ألماني بجد؟»
ضحكت لأول مرة من قلبي من بداية الليلة.
«أيوه، وبالإيطالي والفرنساوي والإنجليزي والإسباني والتركي والروسي والعربي طبعًا.»
فضل باصص لي، وبعدها قال:
«أنا عمري ما كنت أعرف إنك بتتكلمي كل اللغات دي.»
قلت له:
«لأنك عمرك ما سألتني يا كريم.»
ابتسم بحرج.
«عندك حق.»
وبعدين رجع وشه للجدية.
«ماما، هي قالتلك إيه بالضبط؟»
بصيت له شوية، وبعدها قلت:
«قالتلي إني عجوزة وجاهلة، وإنّي مش عارفة مقامي. ولما اديتها الظرف، قالت إني بخيلة.»
كريم نزل عينيه للأرض.
ما اتكلمش فترة طويلة.
وبعدين قال:
«أنا مش عارف أقولك إيه.»
قلت له:
«ما تقولش حاجة. أنا مش عايزاك تدخل في خناقة مع مراتك علشاني. أنا بس عايزاك تبقى فاهم إن الاحترام مش حاجة بنطلبها بعد ما نتخانق، الاحترام لازم يكون موجود من البداية.»