رجعت من المستشفى

دلوقتي، بدأ يفهم إن فيه فرق بين إن حد يساعدك، وإنك تعتمد عليه في كل حاجة.

الشركة اتقفلت فعلًا، والديون فضلت جزء من حياته لفترة، لكنه بدأ يسددها واحدة واحدة.

مكنش كل شيء اتصلح، ومكنش كل شيء ممكن يتعوض.

لكن على الأقل، بطل يبني حياته على صورة مزيفة.

آخر فاتورة

بعد سنتين تقريبًا من الليلة اللي بدأت فيها الحكاية، كانت ياسمين في المستشفى بتخلص شغلها، لما وصلتها رسالة من سعاد.

كانت صورة لصمام بوتاجاز أحمر قديم.

سعاد كانت محتفظة بيه من وقت ما نقلت حاجتها من البيت القديم، وكتبـت تحت الصورة:

«لقيته وأنا بفضي آخر كرتونة. كنت هارميه، بس افتكرت إنه يمكن يكون أهم بالنسبالك مني».

ياسمين فضلت باصة للصورة.

افتكرت هدوم الشغل الزرقا، وساعات الوقوف الطويلة في المستشفى، والمطبخ، والعيون اللي كانت بتبصلها باحتقار، والمية الباردة اللي اضطرت تستحمى بيها في الليلة دي.

وافتكرت الجملة اللي اتقالت لها وكأنها حكم نهائي على قيمتها:

«على قد اللي بتكسبيه».

لفترة طويلة، كانت فاكرة إن صمام البوتاجاز الأحمر ده هو السبب في انهيار كل حاجة.

لكنها دلوقتي فهمت إن الموضوع مكنش متعلق بصمام، ولا بفاتورة، ولا حتى بمبلغ الفلوس اللي اختفى.

المشكلة الحقيقية كانت إنها سمحت لناس تانية يحددوا قيمتها على أساس أرقام هما نفسهم مكنوش فاهمينها.

ردت على سعاد:

«ارميه يا طنط، أنا مش محتاجة أحتفظ بيه».

سعاد ردت:

«متأكدة؟»

ياسمين ابتسمت وهي بتكتب:

«أيوه، متأكدة. خلاص، مبقاش ليه مكان في حياتي».

بعد دقائق، بعتت لها سعاد صورة تانية.

الصمام الأحمر كان مرمي في سلة الزبالة.

ياسمين ضحكت، وقفلت الموبايل، وكملت شغلها.

خلصت ورديتها الساعة تسعة وتمنتاشر دقيقة بالليل.

رجعت شقتها وهي مرهقة، خلعت الجزمة، وراحت الحمام.

فتحت الدش، واستنت ثواني لحد ما المية سخنت.

وقفت قدام المراية، وبصت لنفسها للحظات.

المرة دي، مكنتش بتفكر في محمود، ولا سعاد، ولا الفواتير، ولا الفلوس اللي راحت.

كانت بتفكر في نفسها، وفي كل المرات اللي أقنعت فيها نفسها إن السكوت هو الحل، وإن التضحية المستمرة هي تمن الحفاظ على البيت.

وبعدين دخلت تحت المية الدافية.

ولأول مرة من سنين، محستش إن الاستحمام بمية سخنة رفاهية لازم تستحقها أو تدفع تمنها من كرامتها.

كان مجرد حق طبيعي، حاجة بسيطة اختارت إنها توفرها لنفسها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *