رجعت من المستشفى
ياسمين بصت للشاشة بدهشة.
— إيه ده يا طنط؟!
سعاد ابتسمت بفخر.
— جدول حسابات.
ياسمين قربت الموبايل منها وبدأت تقرأ.
مصاريف المية، والكهربا، والغاز، والأدوية، ومصاريف العمارة، والأكل والشرب.
كل حاجة متسجلة بالتاريخ والمبلغ.
ياسمين رفعت عينيها وقالت:
— أنا مش مصدقة نفسي!
سعاد ضحكت.
— متعمليش فيها مندهشة أوي. أنا بس سجلت مصاريفي علشان أعرف أنا بصرف كام فعلًا.
فضلت تبص للجدول شوية، وبعدها قالت بصوت هادي:
— دلوقتي بقيت عارفة البيت بيكلفني كام، وبقيت عارفة إنتِ كنتِ بتدفعي كام.
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
— يا ريتني فهمت ده من زمان.
ياسمين قفلت الملف وردت:
— وأنا كمان يا طنط، يا ريتني كنت اتكلمت من بدري.
سعاد هزت راسها وقالت:
— لأ، إنتِ ساعدتي لأنك كنتِ عايزة البيت يفضل مستقر، ومكنتيش عايزة مشاكل.
ياسمين ردت:
— وكنت بسكت علشان مكنتش عايزة خناقات.
سعاد بصتلها وقالت:
— أهو إحنا الاتنين اتعلمنا.
سعاد اتعلمت إن قبول مساعدة حد مش معناه إنها من حقها تقلل منه أو تحسسه إنه أقل منها.
وياسمين اتعلمت إن العطاء في صمت، من غير حدود واضحة، ممكن يخلي الناس تتعود على وجودك لدرجة إنها تنسى قيمة اللي بتقدميه.
مش كل مرة تسكتي فيها علشان تحافظي على السلام، السلام بيفضل موجود.
وساعات، السكوت بيكون على حسابك إنتِ.
محمود هو كمان بدأ يعيد بناء حياته، لكن المرة دي بطريقة مختلفة.
مقدرش يرجع للشكل اللي كان بيحاول يقدمه للناس زمان.
اشتغل في شركة متوسطة في مجال المبيعات، بمرتب أقل بكتير من الدخل اللي كان بيتخيل إنه هيحققه من شركته.
بطل يقدم نفسه باعتباره مؤسس شركة ناشئة، وبطل يتكلم عن مستثمرين ومشروعات ضخمة وخطط هتغير السوق.
في الشهور الأولى، استأجر شقة صغيرة، وبقى مسؤول عن مصاريفه بنفسه.
وفي يوم، سعاد راحت تزوره.
أول ما دخلت، لقت هدوم متكومة على كرسي، وأطباق محتاجة تتغسل في المطبخ.
بصت حواليها وقالت:
— وإيه النظام هنا يا محمود؟!
ضحك وقال:
— مش عارف، لسه بتعلم.
سعاد بصت له باستغراب.
— بتتعلم إيه؟ إنك ترتب بيتك؟!
ضحك أكتر وقال:
— لأ، بتعلم إني لو مرجعتش الحاجة مكانها، محدش هييجي يرتبهالي.
سعاد ابتسمت، لكنها مقلتش حاجة.
كان مشهد عادي جدًا، لكنه كان مختلف عن اللي اتعودوا عليه سنين.
زمان، كان محمود بيتوقع إن أمه أو مراته هيتدخلوا ويحلوا أي مشكلة، حتى لو هو السبب فيها.