عمرة ما كنت اتخيل
سكت لحظة وأنا باستوعب كلامها.
قسط الشقة؟
افتكرت إن ناهد كانت قالتلي من فترة إنها محتاجة مساعدة في مصاريف البيت، وإن فيه التزامات متراكمة عليهم. لكني ماكنتش أعرف إن فيه مبلغ دوري أنا اللي بدفعه متعلق بالقسط، ولا إنهم معتمدين عليه بالشكل ده.
قلت بهدوء:
ـ أنا وقفت التحويلات اللي كنت ببعتها من حسابي يا ماما.
ـ يعني إيه وقفتيها؟! إنتِ بتتكلمي جد؟! الفلوس لازم تتحول النهارده، ومش ناقصة فضايح. البنك بيهددنا، وإحنا مش ناقصين الكلام ده!
كنت سامعة نفسها عالي، وصوتها بيرتعش من العصبية.
أخدت رشفة من الشاي، وحطيت الكوباية على المكتب.
ـ معلش يا ماما، بس أنا مش هقدر أحوّل فلوس تاني.
ـ مش هتقدري إزاي؟! إنتِ عندك شغل وبتقبضي، وأحمد جوزك! يعني المفروض تقفي جنبه وتساعديه، مش تسيبيه يغرق!
ابتسمت بسخرية خفيفة.
ـ غريبة يا ماما. مش إنتِ اللي قلتيلي من يومين إن فلوسكم خلصت عليّا، وإن المفروض أستنى لما الناس تخلص أكل عشان أشوف لو فيه حاجة فاضلة ليا؟
سكتت ناهد فجأة.
كملت كلامي بنفس الهدوء:
ـ أنا بس احترمت كلامك. طالما كل واحد يشيل نفسه، يبقى كل واحد يشيل نفسه فعلًا. أنا مش هفضل أدفع مصاريف ناس تانية، وفي الآخر أتهان على سفرة الأكل.
صوتها علي تاني.
ـ إنتِ هتحاسبيني على طبق أكل؟! إنتِ ناسية نفسك يا مريم؟ ده بيت عيلة جوزك، والمفروض إنك تبقي سند لينا!
ـ وأنا كنت سند ليكم يا ماما، وعمري ما قصرت. لكن السند مش معناه إنكم تعتبروا فلوسي حق مكتسب، وإن من حقكم تهينوني وقت ما تحبوا.
ـ يعني مش هتحولي الفلوس؟!
ـ لأ يا ماما، مش هحوّل.
ـ طب استني لما أحمد يعرف اللي إنتِ بتعمليه!
ـ خليه يعرف يا ماما. هو كان موجود يومها، وسمع كل كلمة.
ما استنتش ردها، وقفلت المكالمة.
فضلت باصة للموبايل شوية، وبعدها رجعت بصيت للورق اللي قدامي.
كنت متوقعة إنها هتتعصب، لكن ماكنتش متوقعة إن أول حاجة هتتكلم عنها بعد يومين من الإهانة هي الفلوس.
لا سألتني أنا زعلت ليه، ولا قالتلي إنها كانت غلطانة، ولا حتى حاولت تصلّح اللي حصل.
كل اللي كان شاغلها إن التحويل ماوصلش.
وبعد أقل من خمس دقايق، الموبايل رن تاني.
المرة دي كان أحمد.
رديت، فجالي صوته غاضب من أول كلمة.
ـ إنتِ عملتي إيه يا مريم؟!
سندت ضهري على الكرسي وقلت:
ـ صباح الخير الأول يا أحمد.