في ليله دخلتنا

دموعه التمعت في عينيه: “التوكة دي.. لو عايزة ترميها ارميها، ولو عايزة تحتفظي بيها تحتفظي.. حقك أنتِ وبس ومش هسألك تاني.”

سكتت فترة طويلة، وفي الآخر أخدت العلبة وقفلتها: “هتفضل معايا.”

عينيه أشرقت بفرحة، بس الجملة اللي بعدها جمّدته مكانه! قلت له بهدوء: “بس مش عشانك يا عاصم.. التوكة دي تذكار من فريدة اللي كان عندها ثمان طاشر سنة.. البنت اللي حبّت من قلبها بجد زمان، ومش هظلم ذكراها.”

عاصم وطي رأسه وقال بفهم: “فاهم يا فريدة.”

حطيت العلبة في الدرج ولفت له: “عاصم.. عارف أنا بندم على إيه أكتر حاجة؟” سألني بصوت واطي: “إيه؟” “بندم إني ما حبّيتش حد تاني زمان.. وبندم إني افتكرت إن حياتي من غيرك مالهاش معنى.”

عاصم يفضل ساكت، فكملت كلامي: “بس لما مشيت وسيبتك.. اكتشفت إن العالم واسع أوي، وإن فيه أماكن كتير ما شفتهاش، وحاجات كتير ما جربتهاش، وناس بيحبوني بجد.. وأنا مش مستعدة أخسر الحاجات دي تاني عشان أي حد.”

فضل عاصم باصص لي بكسرة واحترام، وبعدين هز رأسه وقال: “أنا فرحان إنك لقيتي نفسك يا فريدة.. بجد.”

 والمرة دي.. أنا صدقته.

بعد سنتين من طلاقنا.. ياسمين جت زيورخ فجأة. اتتفاجأت لما بعتت لي رسالة: فريدة.. عايزة أقابلك مرة واحدة بس.

 فكرت شوية، وفي الآخر وافقت، وتقابلنا في كافيه على البحيرة.

كانت لابسة بالطو بيج وما حطتش مكياج كتير زي زمان، وشها كان باين عليه النضج والتعب. أول ما شافتني قامت وقالت: “فريدة..” قلت لها: “اتفضلي يا ياسمين.”

قعدت وقعدت أيديها بترتعش وهي ماسكة كباية القهوة، وبعد لحظة صمت قالت: “أنا جيت أعتذر لك.” بصيت لها وما ردتش، فكملت هي بكسرة: “بعتذر عن المقال، وعن الرسائل، وعن كل حاجة عملتها زمان.. أنا كنت فاكرة إن عاصم هيستناني للبد وأن لو رجعت كل حاجة هترجع زي زمان، بس أنا كنت غلطانة.”

سألتها: “أنتِ هتعملي إيه دلوقتي؟” بصت للبحيرة وقالت: “راجعة فرنسا أبدأ شغلي تاني من الصفر.. بس المرة دي بمجهودي أنا.”

هزيت راسي: “ربنا يوفقك.” بصت لي باستغراب: “أنتِ مش بتكرهيني؟”

فكرت ثانية وقلت لها: “كنت زعلانة ومقهورة زمان.. بس دلوقتي حياتي مليانة: بنتي، شغلي، صحابي.. ما عنديش وقت ولا مجهود أضيعه في الكره.”

ابتسمت ياسمين بمرارة وقالت: “دلوقتي بس فهمت ليه عاصم حبّك يا فريدة.” هزيت راسي وقلت لها: “حبني أو لا.. ده ما بقاش مركز حياتي خلاص.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *