في ليله دخلتنا

وطيت راسي، وفجأة حسيت بحرقة ودموع في عيني. في الثلاث سنين اللي فاتوا، اتعودت إن ما حدش يسألني أنا عايزة إيه. عاصم قالها بوضوح إنه مش بيحبني، والجدة كل اللي كان هاممها تشوفنا مبسوطين وخلاص، والغرباء ما كانش فارق معاهم غير هل أنا أستاهل لقب “حرم عاصم بيه” ولا لا. ما حدش قعد قدامي وسألني بجدية: فريدة.. أنتِ عايزة إيه؟

أخدت نفس عميق: “أمجد..” “نعم؟” “شكراً.”

قام وقالي: “ما تشكرنيش أوي كده.. عندك معاد كشف في المستشفى بكرة الساعة تمانية الصبح، ولو نمتي وتقلتِ هفضل أرن عليكي لحد ما تصحي.”

ضحكت: “عارفة.”

قفل الباب وساب الشنطة، والهدوء حل في الشقة. وقفت جنب الشباك أراقب الثلج وهو بينزل على البحيرة. طلعت التليفون، فتحت النوتس، وعملت صفحة جديدة سمتها: مذكرات البيبي فكرت كتير، وفي الآخر كتبت أول سطر: اليوم الأول في سويسرا. وصلت الأم وطفلها بالسلامة. ومن النهاردة.. هنبدأ حياة جديدة.

بصيت للشاشة، وحطيت إيدي بالراحة على بطني: “أهلاً يا حبيبي.. يمكن ما أكونش أحسن أم في الدنيا، بس هحاول عشانك.”

الثلج كان لسه بينزل برة الشباك. ما كنتش أعرف إن الراجل اللي كان جوزي، واللي بيني وبينه آلاف الأميال، فضّل صاحي ليلتين ورا بعض ما غمضلوش جفن. ولا أعرف إنه بدأ يتعلم إزاي يقرأ السونار، ولا إن عقد الطلاق في درج مكتبه اتفتح واتقفل ألف مرة. بس حتى لو كنت اعرف… أنا كمان ما كنتش هرجع.

ياسمين ما كانتش مصدقة إن عاصم بجد عايز يبعد عنها وينهي كل حاجة. ثمان سنين كاملين وهي متعودة إن تليفون واحد منها يخليه يجري يجيلها، ولو طلبت نجمة من السما هيجيبها، وحتى لما سابته وسافرت أوروبا ما ينطقش عنها كلمة شينة قدام حد. عشان كده، لما رجعت مصر ما تخيلتش أبداً إنها ممكن تخسر قدام فريدة. ست اختارتها الجدة، جوازة صالونات وعقد مدته ثلاث سنين.. إيه اللي يخوف في كده؟

بس دلوقتي… عاصم ما بيردش على مكالماتها خالص. قاعدة في شقتها الفخمة تبص للشاشة السودة، وجنبها مديرة أعمالها هالة. “ياسمين.. أنتِ بجد مكملة في الجنان ده؟”

رفعت ياسمين راسها ببرود: “ناوية على إيه؟”

هالة اتنهدت: “أنتِ لسه راجعة البلد، وشغلك ومستقبلك في مرحلة حاسمة.. بلاش تدخلي المشاعر في السكة وتخربي على نفسك.”

ياسمين ضحكت بمرارة: “أنتِ فاكرة إني رجعت مصر عشان شغلي؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *