في ليله دخلتنا
حط الكاس على الطاولة برزع. تكة الزجاج هزت المكان وهو بيبص لي بنظرة حادة: فريدة!
قلت له ببرود: نعم؟
سألني وهو بيضيق عينيه: هي دي بس الحاجات اللي هامكي؟
اتستغربت ورديت: أومال يعني إيه اللي يهمني غير كده؟
فضل يبص لي كتير والضوء جيب على وشه مخلّي نظراته أغمق، وبعد لحظة ضحك بمرارة: ولا حاجة.. مش هخلف بوعدي معاكي.
قلت له: يبقى تمام.
لفيت نفسي عشان أطلع، وأول ما حطيت رجلي على أول درجة في السلم حسيت بنغزة ووجع خفيف أسفل بطني. حطيت إيدي على بطني من غير ما أحس، فجه صوته من ورايا فجأة: مالك؟ حاسة بتعب فين؟
نزلت إيدي بسرعة وقلت له: أصل أكلت كتير بس.
كشر وقال لي: أنتِ ما أكلتيش غير نص طبق شوربة
رديت عليه ببرود: ولايهمك
ما ردش، وأنا ما لفيتش وبصيت له. أول ما قفلت باب أوضتي عليا، طلعت ورقة السونار المكرمشة. كان فيها نقطة صغيرة أوي، أصفر من أن تشاف بالعين. الدكتورة قالت لي وقتها: الجنين عمره ست أسابيع.
ست أسابيع! قعدت على طرف السرير وأنا بحسب الأيام. كانت الليلة دي لما عاصم رجع سكران ومش في وعيه بعد حفلة الشركة، وكانت المرة الوحيدة في الثلاث سنين اللي اتخطّينا فيها الحدود. تاني يوم الصبح لما صحي فضل ساكت كتير، وما نطقش غير بكلمة واحدة: أنا آسف.
فاكرة إني ضحكت ساعتها وقلت له: ولا يهمك، تحصل.
كنت فاكراها غلطة وعدت، لكن بعد ست أسابيع اتخلقت الحياة الصغير دي. وطيت راسي بصيت لورقة السونار، وطلعت تليفوني فتحت النتيجة. عيد ميلاد الجدة بعد ثلاثة أيام. العملية بعد أربعة أيام. سفري لسويسرا بعد خمس أيام. حجزت الطيران من غير ما عاصم يعرف، وما كانش عندي أي نية أقوله. لأن من الأول خالص، كان فيه بند واضح صريح في اتفاقنا: لو حصل حمل غير مخطط له، القرار الأول والأخير يرجع للست. والجواز ده ما كانش فيه مكان لطفل.. ولا كان فيه مكان ليا من الأساس.
أنا أعرف عاصم من لما كان عمري سبعطاشر سنة. في السنة دي أبويا اتوفى في حادثة، وشغل عيلتنا كله فلس. أمي كانت متوفية من زمان، وأقاربنا يهربوا مني زي ما أكون دين على رقبتهم. الشخص الوحيد اللي وقف جنبي كانت الجدة..
أخدتني بيتها، أكلتني وعلمتني وفتحت لي بيتها. وهناك.. شفت عاصم لأول مرة. كان أكبر مني بثلاث سنين. أول لقاء بيننا كنت واقفة تحت المظلة واللمطر مغرقني، وهو راجع من مدرسته بالقميص الأبيض ورافع شمسية سودة. لما شافني سأل البواب: مين دي؟