قبل اشتغل شغله

فرحت بقراره.

«ده أحسن شيء يا حاج.»

هز راسه.

«وأنا عايزك تعرفي إنك مش مطالبة تكوني طبيبة، ولا ممرضة، ولا مسؤولة عن صحتي. لو حصل أي تغيير، لازم نرجع للدكتور.»

كانت كلماته بتخليني أفهم إن المساعدة الحقيقية مش معناها إن الإنسان يشيل كل شيء لوحده.

وإن الحب، حتى بين الناس اللي مش من عيلة واحدة، لازم يكون فيه حدود تحمي الطرفين.

في أحد الأيام، وصلت لبيت الحاج محمود ولقيته قاعد في المكتبة، قدامه مجموعة كبيرة من الأوراق والرسومات القديمة.

كان وشه شاحب شوية، لكنه أول ما شافني ابتسم.

«تعالي يا سارة. عندي لك مفاجأة.»

قربت من المكتب، ولقيت رسمة كبيرة لمبنى قديم، مرسومة بقلم رصاص بدقة مدهشة.

قلت بإعجاب:

«إيه الجمال ده! حضرتك اللي رسمتها؟»

«آه. ده أول مشروع كبير اشتغلت عليه بعد ما اتخرجت.»

قعدت جنبه وبدأ يحكي لي عن أيام الجامعة، وعن أول مرة وقف فيها في موقع بناء، وعن أخطاء عملها واتعلم منها، وعن أستاذه اللي كان بيقول له إن المهندس الشاطر مش اللي يبني مبنى جميل بس، لكن اللي يفهم الناس اللي هتعيش جواه.

كان بيتكلم بحماس، وعينيه الرمادي رجع فيها بريق غريب.

بعد شوية، سألني:

«إنتِ خلصتي تعليمك لحد فين؟»

قلت:

«ثانوية عامة. كنت نفسي أكمل، لكن الظروف ما سمحتش.»

رفع حاجبه.

«ليه؟»

اترددت.

«أبويا تعب وقتها، وبعدها اتجوزت بدري، وبعدين خلفت كريم وملك. كل مرة كنت بقول هكمل السنة الجاية، لحد ما السنين عدت.»

بص لي شوية، وبعدين سأل:

«وإنتِ لسه نفسك تكملي؟»

ضحكت بحرج.

«أنا عندي كام سنة دلوقتي يا حاج؟»

رد بسرعة:

«ده مش جواب.»

سكت.

كنت بخاف من السؤال ده، لأن الإجابة عليه كانت هتجبرني أعترف لنفسي إني لسه عندي أحلام، رغم كل السنين اللي عدت.

قلت أخيرًا:

«آه. نفسي.»

ابتسم.

«يبقى ليه ما تدرسيش؟»

هزيت راسي.

«الموضوع مش سهل. عندي بيت ومسؤوليات، وبعدين مين هيشيل المصاريف؟»

قال:

«أنا مش هقول لك إن الموضوع سهل، لأن ده مش حقيقي. لكن نقدر نفكر في خطوات صغيرة.»

فتح درج المكتب، وطلع ورقة بيضاء وقلم.

«أول حاجة، نعرف إنتِ محتاجة إيه عشان تكملي تعليمك. ثاني حاجة، نشوف المواعيد المناسبة لشغلك. ثالث حاجة، تتكلمي مع أسرتك بوضوح.»

بصيت له باستغراب.

«حضرتك بتتكلم كأن الموضوع سهل.»

ضحك.

«لا، أنا بتكلم كأنه ممكن.»

الكلمة دي كانت مختلفة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *