قبل اشتغل شغله

طول عمري كنت بسمع من الناس إن الوقت فات، وإن مسؤولياتي كتير، وإن الأحلام دي بتاعة البنات الصغيرة، وإن الست بعد ما تتجوز وتخلف لازم تركز في بيتها.

لكن أول مرة حد يقول لي إن حلمي مش مستحيل، وإنه يستحق على الأقل إني أفكر فيه.

رجعت البيت يومها وأنا شايلة الورقة اللي كتبنا عليها الخطوات.

ولما سامح شافني بطلعها من شنطتي، سألني:

«إيه الورقة دي؟»

قلت بتردد:

«كنت بتكلم مع الحاج محمود عن إني أكمل تعليمي.»

بص لي لحظات، وبعدين ضحك ضحكة قصيرة.

«تكملي تعليمك؟ دلوقتي؟»

حسيت بوجهي سخن.

«آه. بفكر في الموضوع.»

رد وهو بيرجع يبص للتلفزيون:

«يا سارة، إحنا عندنا عيال ومسؤوليات. مش ناقصين نفتح على نفسنا باب جديد.»

وقفت قدامه، وأنا بحاول أحافظ على هدوئي.

«أنا مش هسيب مسؤولياتي. أنا بس عايزة أشوف إذا كان فيه طريقة أعمل بيها حاجة لنفسي.»

قال بلهجة ضيق:

«هو إنتِ ناقصك إيه؟ البيت موجود، والعيال موجودين، وأنا مش مقصر في الأكل والشرب.»

الكلمات دي كانت كفيلة إنها تخليني أسكت زمان.

لكن المرة دي، خدت نفس طويل وقلت:

«أنا مش بتكلم عن الأكل والشرب يا سامح. أنا بتكلم عني أنا.»

بص لي بحدة، كأنه أول مرة يسمعني أتكلم بالطريقة دي.

«وإيه اللي اتغير فجأة؟»

السؤال خلاني أفكر.

إيه اللي اتغير فعلًا؟

أنا اللي اتغيرت، ولا أنا بس بدأت أسمع صوتي بعد سنين من السكوت؟

قلت بهدوء:

«يمكن مفيش حاجة اتغيرت. يمكن أنا بس بدأت أفهم إني لسه موجودة.»

وسبت الورقة على الترابيزة، ودخلت أوضتي.

ماكانش ده انتصار كبير، ولا انتهت المشكلة.

لكن للمرة الأولى، ما اعتذرتش عن رغبتي في إني أكون إنسانة ليها أحلام.

مرت أسابيع، وبدأت أبحث عن طرق أقدر أكمل بيها تعليمي من غير ما أهمل شغلي أو بيتي.

كنت بقضي وقت الراحة في بيت الحاج محمود وأنا براجع الأوراق، وأحيانًا كان يساعدني في تنظيم وقتي.

كان عنده عقل مرتب بشكل مدهش، وكل مشكلة عنده تتحول إلى خطوات صغيرة ممكن تتنفذ واحدة واحدة.

في يوم، دخلت عليه وأنا فرحانة.

«يا حاج محمود! لقيت طريقة أقدر أبدأ بيها.»

رفع عينيه من الجريدة.

«احكي.»

قعدت قدامه وشرحت له إني عرفت إن فيه فرصة أراجع المواد اللي فاتتني وأستعد للامتحانات، وإن الموضوع محتاج وقت ومجهود، لكنه مش مستحيل.

كان بيسمعني باهتمام، ولما خلصت، قال:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *