قبل اشتغل شغله
الحاج محمود كان بيقعد على كرسيه في نص المكتبة، ويوجهنا، ويحكي لنا عن كل كتاب، وعن الشخص اللي جابه له، وعن البلد اللي اشتراه منها.
كل يوم كان فيه حكاية جديدة.
وفي أثناء الشغل، بدأت علاقتي بأولاده تتغير.
منى بقت تسألني عن تعليمي، ولما عرفت إني ناوية أكمل، عرضت عليّ تساعدني أرتب وقتي، لأنها كانت مدرسة قبل ما تخرج على المعاش.
أما شريف، فكان بيشرح لي بعض الأساسيات في تنظيم الملفات، وعلمني إزاي أستخدم جدول بسيط عشان أتابع الكتب والمخططات.
وفي مرة، وأنا قاعدة بكتب وصف لواحد من المشاريع القديمة، شريف وقف ورايا وبص على الورقة.
قال بإعجاب:
«إنتِ بتكتبي كويس.»
ضحكت.
«دي مجرد ملاحظات.»
رد:
«الملاحظات الكويسة هي اللي بتخلي الناس تفهم الحكاية. إنتِ عندك طريقة واضحة.»
الكلام فرحني، خصوصًا إنه جه من غير مجاملة أو مبالغة.
لكن وسط كل التغييرات دي، كان فيه شيء تاني بيتغير في حياتي.
أنا بدأت أتكلم في البيت.
مش بصوت عالي، ولا بخناقات، لكن بقيت أقول أنا محتاجة إيه، وإيه اللي أقدر أعمله، وإيه اللي مش هقدر عليه.
لما كريم كان يطلب مني أجهز له حاجة في آخر لحظة، بقيت أقول له:
«لو عايزها، لازم تبلغني بدري.»
ولما ملك كانت تطلب مني أغسل هدومها، بقيت أقول لها:
«الغسالة موجودة يا حبيبتي، وأنا هعلمك تستخدمِيها لو مش عارفة.»
وفي البداية، كانوا مستغربين.
لكن بعد فترة، بدأوا يعتمدوا على نفسهم أكتر.
أما سامح، فكان لسه مش مرتاح لفكرة إني بدرس وبقضي وقت في المكتبة.
في إحدى الليالي، كنا قاعدين في الصالة، فقال فجأة:
«إنتِ بقيتي بتقضي وقت طويل بره البيت.»
حطيت الكتاب اللي كنت براجعه على الترابيزة.
«أنا بروح شغلي، وبراجع دروسي في الوقت اللي بقدر عليه.»
رد:
«والمكتبة دي هتفضل كده لحد إمتى؟»
قلت:
«مش عارفة. إحنا بنجهزها عشان تفتح يوم في الأسبوع.»
بص لي باستغراب.
«يعني هتبقي مسؤولة عن مكان كمان؟»
أخدت نفس طويل.
«يا سامح، أنا مش بعمل ده عشان أهرب من البيت. أنا بعمله عشان أتعلم حاجة جديدة، وأحس إن عندي حياة خاصة بيا كمان.»
قال بحدة:
«وأنا رأيي مش مهم؟»
بصيت له بهدوء.
«رأيك مهم، لكن مش معناه إنك تقرر عني كل حاجة.»
سكتنا فترة طويلة.
وبعدين قال:
«أنا مش متعود أشوفك بالشكل ده.»
كانت دي أول مرة يقول جملة خلتني أفكر فيه بدل ما أفكر في نفسي بس.