قبل اشتغل شغله
يمكن هو كمان كان متعود على صورة معينة مني، صورة الست اللي بتوافق، وتعمل كل حاجة، وتخبي تعبها.
ولما الصورة بدأت تتغير، هو ماعرفش يتعامل مع التغيير.
قلت له:
«وأنا كمان مش متعودة أشوف نفسي بالشكل ده.»
ما ردش.
لكن في اليوم التالي، لقيته حاطط لي كوب شاي على المكتب وأنا براجع دروسي.
ما قالش حاجة، وأنا ما علقتش.
لكنها كانت أول مرة من فترة طويلة يحاول يعمل حاجة صغيرة من غير ما أطلبها.
بعد حوالي شهرين، وصلنا لمرحلة إن المكتبة بقت جاهزة تقريبًا.
الرفوف اتنظمت، والكتب اتسجلت، والحديقة بقت فيها ياسمين وريحان ونعناع، والنافورة القديمة اتصلحت، ورجع صوت المية يملأ المكان في الصبح.
الحاج محمود كان فرحان بشكل واضح.
كل ما يدخل المكتبة، يبص حواليه ويقول:
«أنا كنت فاكر إن الحاجات دي خلص دورها.»
وفي يوم، وهو بيتفرج على الرفوف، قال:
«طلع إن اللي بيخلص هو دورنا في حاجة، مش دور الحاجة نفسها.»
ابتسمت.
«يعني إيه يا حاج؟»
قال:
«يعني الكتاب ممكن يفضل ساكت على الرف سنين، لكن أول ما حد يفتحه، يبدأ يعيش من جديد. والخبرة كمان. لو فضلت محبوسة في دماغ صاحبها، هتضيع معاه. لكن لو اتشاركت، ممكن تعيش بعده.»
الكلام أثر فيّ.
لأني بدأت أفهم إن كل اللي اتعلمته من حياتي، حتى التعب والأخطاء، ممكن يكون ليه معنى لو قدرت أستخدمه بشكل مختلف.
في يوم افتتاح المكتبة، جه عدد صغير من الناس: طلبة هندسة، وجيران من المنطقة، وبعض أصدقاء الحاج محمود القدامى.
كان فيه شاب اسمه يوسف، بيدرس في كلية الهندسة، وجاي مخصوص عشان يشوف الرسومات القديمة.
الحاج محمود قعد يحكي لهم عن تصميم المباني، وعن أهمية إن المهندس يفهم احتياجات الناس قبل ما يرسم الحيطان.
وأنا كنت قاعدة على المكتب، بسجل أسماء الزوار، وبساعدهم يوصلوا للكتب اللي محتاجينها.
في آخر اليوم، بعد ما الناس مشيت، الحاج محمود ناداني.
«سارة، تعالي اقعدي.»
قعدت قدامه، وكان باين عليه التعب، لكنه مبتسم.
قال:
«النهارده كان يوم جميل.»
قلت:
«جميل أوي يا حاج.»
بص للمكتبة.
«عارفة أنا كنت خايف من إيه؟»
هزيت راسي.
«إيه؟»
«كنت خايف إن كل اللي عملته في حياتي يتحول في الآخر لمجرد ذكريات محدش يعرف عنها حاجة. كنت خايف أموت، والبيت يتباع، والكتب تتوزع، والرسومات تترمي، وكل اللي قضيت عمري فيه يختفي.»