قبل اشتغل شغله
سكت.
وبعدين مد إيده ناحية الكتاب وقال:
«الكتاب ده اسمه رحلة إلى الداخل. كنت بقراه لمراتي الله يرحمها. كانت بتحب الروايات، وأنا كنت بحب الهندسة. كنا مختلفين في كل حاجة تقريبًا، لكن كان عندنا اتفاق واحد.»
بصيت له باهتمام.
«إيه هو؟»
ابتسم ابتسامة اتغيرت معاها ملامحه كلها.
«إن الإنسان لو فضل طول عمره يبني للناس بيوت، لازم يفتكر يبني لنفسه مكان يرتاح فيه.»
ماعرفتش ليه حسيت بوجع في صدري وأنا بسمعه.
يمكن لأن عمري ما بنيت لنفسي المكان ده.
يمكن لأن كل اللي عملته في حياتي إني كنت ببني للناس حواليّا، ولما تعبت، اكتشفت إني مش عارفة أروح فين.
عدت أول ساعة من الشغل وأنا بقرأ للحاج محمود من الكتاب. كان بيسمع بانتباه، وكل شوية يوقفني عند جملة ويطلب مني أعيدها.
في الأول افتكرت إن سمعه ضعف، لكن لما كرر الطلب أكتر من مرة، بصيت له باستغراب.
«هو حضرتك مسمعتش الجملة؟»
قال وهو بيعدل نظارته:
«سمعتها، بس عجبتني. عايز أسمعها تاني.»
بصيت في الصفحة، وقرأت:
«أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى باب جديد يخرج منه، بل يحتاج إلى أن يكتشف أن الباب الذي ظل واقفًا أمامه طوال السنين لم يكن مغلقًا أصلًا.»
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال:
«شايفة الجملة دي؟»
هزيت راسي.
«أنا قضيت سنين طويلة فاكر إن أصعب حاجة في الحياة هي إنك تلاقي الطريق الصح. ولما كبرت، اكتشفت إن الأصعب إنك تعترف لنفسك إنك مش عايز تكمل في الطريق اللي اخترته.»
قفلت الكتاب على ركبتي.
«يعني إيه؟»
اتنهد وقال:
«يعني ممكن تقضي عمرك كله في حياة الناس مقتنعة إنها حياتك، ولما تصحي في يوم وتبصي وراكي، تكتشفي إنك نسيتي تسألي نفسك إذا كنتِ سعيدة فيها ولا لأ.»
الكلام كان قريب مني بشكل خلاني أهرب بعيني ناحية الشباك.
الحاج محمود لاحظ، لكنه ما ضغطش عليّ.
بدل ما يسألني عن جوزي أو عيالي، طلب مني أفتح الستارة.
ولما فتحتها، دخل نور الشمس على المكتب، وظهر قدامي ركن صغير في الحديقة فيه أصص فاضية، وكرسي حديد قديم، ونافورة متوقفة عن العمل.
قال:
«الركن ده كان بتاع مراتي. كانت تقعد فيه كل يوم الصبح تشرب قهوتها. من يوم ما ماتت، محدش قرب منه.»
بصيت للركن.
«ليه؟»
«عشان كنت فاكر إن لو سبت كل حاجة زي ما هي، هفضل حاسس إنها موجودة.»
سكت لحظة، وبعدين كمل:
«لكن بعد فترة، اكتشفت إن الحفاظ على كل حاجة زي ما هي مش بيرجع اللي راح. ساعات بيمنعنا بس من إننا نعيش اللي باقي.»