قبل اشتغل شغله
جريت ناحيته من غير ما أفكر.
«يا حاج محمود! استنى، حضرتك هتقع!»
لف ناحيتي بهدوء، وكأنه كان مستني رد فعلي، وقال بابتسامة صغيرة:
«شايفة؟ أهو رجعتي تجري تاني.»
وقفت مكاني واتكسفت.
«ما أنا خفت عليك.»
«وده شيء كويس يا سارة، بس الخوف مش معناه إنك لازم تنسي نفسك. كنت أقدر أندهلك.»
قربت منه وخدت الكتاب من الرف، وحطيته على المكتب.
«طب ما تنادي يا حاج، هو أنا هنا عشان إيه؟»
بص لي شوية، وبعدين قال:
«عشان تساعديني في الحاجات اللي مبقتش أقدر أعملها لوحدي. مش عشان تتحولي لشخص مسؤول عن كل نفس باخده.»
الجملة كانت غريبة، لكنها لمست حاجة جوايا.
أنا طول عمري كنت شايفة نفسي مسؤولة عن كل حاجة بتحصل في البيت. لو ابني نسي حاجة، أنا السبب. لو بنتي زعلت، أنا المفروض أصلح الدنيا. لو جوزي رجع متعصب، أنا اللي لازم أعرف أهدّيه. ولو حصلت مشكلة في الفلوس، لازم ألاقي حل حتى لو هبيع حاجة من حاجتي.
عمري ما سألت نفسي إذا كنت قادرة ولا لأ.
كنت بس بكمل.
الحاج محمود رجع قعد على كرسيه، وأشار لي ناحية الترابيزة.
«اعملي لنا شاي، وبعدين تعالي اقعدي.»
ابتسمت وقلت:
«حاضر.»
عملت الشاي، وحطيته قدامه، وقعدت على الكرسي المقابل. كنت مستنية يقول لي أرتب الدواء أو أنضف حاجة أو أقرأ له الجورنال، لكنه فضل ساكت وهو بيقلب في صفحات الكتاب اللي جبتهوله.
بعد شوية، رفع عينيه وقال:
«قولي لي يا سارة، إنتِ بتحبي إيه؟»
السؤال كان بسيط لدرجة إني افتكرت في الأول إني مسمعتوش كويس.
«أحب إيه؟»
«آه. بتحبي إيه؟ مش بتعملي إيه، ولا بتشتغلي إيه، ولا بتخدمي مين. إنتِ بتحبي إيه؟»
فتحت بقي عشان أرد، لكن الكلمات وقفت جوا حلقي.
كنت عايزة أقول له إني بحب القراءة، لكن آخر كتاب قريته كان من سنين. كنت عايزة أقول له إني بحب أزرع الورد، لكن الأصص اللي كانت عند شباك مطبخي نشفت من كتر ما نسيتها وأنا بجري بين مسؤولياتي.
كنت عايزة أقول له إني بحب أقعد في هدوء، لكن أول ما كنت بقعد، كان ضميري يأنبني على حاجة لسه مخلصتهاش.
وفي الآخر ضحكت ضحكة صغيرة وقلت:
«والله يا حاج، مش عارفة.»
قفل الكتاب بهدوء.
«دي إجابة حزينة أوي.»
حسيت إني اتضايقت، مش منه، لكن من نفسي.
«هي الحياة بتسيب لنا وقت نفكر في الحاجات دي؟»
هز راسه وقال:
«الحياة مش هتفضى لك يا سارة. لو استنيتي الدنيا تخلص طلباتها عشان تعيشي، هتفضلي مستنية لحد ما عمرك يخلص.»