قبل اشتغل شغله
بصيت لها بهدوء.
«حضرتك عندك حق تقلقي عليه. وأنا مش هنا غير عشان شغلي. كل حاجة بطلبها أو بعملها معاه بتكون بعلمه.»
هزت راسها، لكنها ما ردتش.
ولما الباب اتقفل، رجعت للصالون وقدمت الشاي.
الحاج محمود كان باصص من الشباك.
قلت له:
«أنا آسفة يا حاج. واضح إن وجودي سبب لهم قلق.»
لف ناحيتي بسرعة.
«إنتِ مالكيش ذنب في قلقهم.»
«بس أنا مش عايزة أكون سبب مشكلة بينك وبين ولادك.»
فضل ساكت شوية، وبعدين قال:
«عارفة يا سارة، لما كنت صغير، كنت فاكر إن المسؤولية معناها إنك تمنع كل الناس اللي بتحبهم من إنهم يزعلوا. كبرت واكتشفت إن ده مستحيل. ساعات الناس اللي بتحبك هتزعل منك، حتى لو كنت بتعمل الصح.»
قعدت على الكرسي المقابل.
«طب أعمل إيه؟»
«تعملي شغلك بأمانة، وتحافظي على حدودك، وما تسمحيش لحد يشكك في نفسك لمجرد إنه خايف.»
وبعدين ابتسم ابتسامة خفيفة.
«وبكرة ما تنسيش تجيبي معاك الكراسة.»
ضحكت رغم كل اللي حصل.
«حضرتك لسه فاكر الكراسة؟»
«أنا فاكر كل حاجة مهمة.»
وبعدين سكت لحظة، وقال جملة ما فهمتش معناها إلا بعد فترة:
«وعندي إحساس إنك هتكتبي فيها قريب حاجة هتغير حياتك.»
بعد الموقف ده، بقيت منى تتصل بالحاج محمود كل يوم تقريبًا، وتسأله عن صحته وأكله ودوائه.
في الأول، كان بيتضايق من كثرة الأسئلة، لكنه مع الوقت بدأ يتجاوب معاها.
أما شريف، فكان بيزور أبوه كل نهاية أسبوع، وأحيانًا كان يقعد معاه بالساعات يتكلموا عن البيت القديم والمشاريع اللي اشتغلوا عليها زمان.
كنت سعيدة إنهم قربوا منه، لأن الوحدة اللي كان عايش فيها ماكانتش سهلة.
لكن في نفس الوقت، كنت حاسة إن وجودي بقى تحت المراقبة.
كنت بسجل مواعيد الدواء بدقة، وبكتب أي ملاحظة عن صحته في دفتر واضح، وبخلي كل حاجة قدام عينيه.
الحاج محمود لاحظ التغيير.
في يوم، وأنا بكتب ملاحظة في الدفتر، قال:
«إنتِ متوترة.»
قلت:
«مش عايزة حد يفهم إني بعمل حاجة غلط.»
رد:
«الأمانة مش معناها إنك تعيشي طول الوقت بتثبتي إنك أمينة.»
بصيت له.
«بس الناس ممكن تظلمك.»
قال بهدوء:
«وده سبب يخليكِ تكوني واضحة، مش سبب يخليكِ تخافي من كل الناس.»
سكت، وبعدها أضاف:
«وبالمناسبة، أنا كلمت الدكتور، وطلبت منه يعمل لي تقييم كامل للذاكرة والحركة. عايز أعرف حالتي بالضبط، مش عشان أولادي قالوا، لكن عشان أنا نفسي أبقى مطمن.»