قبل اشتغل شغله
قالت:
«أنا آسفة يا بابا لو حسستك إننا عايزين نخلص من البيت وخلاص.»
رد بحنان:
«أنا عارف إنكم خايفين عليّ. لكن الخوف ساعات بيخلينا ننسى نسأل الشخص اللي بنخاف عليه هو عايز إيه.»
شريف قرب كرسيه من أبوه.
«هنحاول نعمل الأحسن يا بابا.»
الحاج محمود ابتسم.
«وده كل اللي بطلبه.»
كنت واقفة عند باب المكتبة، وبسمع الكلام من بعيد.
وفكرت في نفسي.
كم مرة كنت بعمل حاجات باسم الحب، لكن من غير ما أسأل اللي قدامي هو محتاج إيه فعلًا؟
وكم مرة كنت مستنية حد يفهمني، من غير ما أدي له فرصة يسمعني؟
في الأيام اللي بعدها، بقيت ألاحظ إن الحاج محمود بيحاول يحافظ على روتينه، لكن من غير ما يضغط على نفسه.
كان يقعد في الحديقة وقت الصبح، ويطلب مني أقرأ له شوية، وبعدها يرتاح.
أحيانًا كنا نراجع ملف قديم، وأحيانًا كنا نسكت ونسمع صوت المية في النافورة.
وفي يوم، وأنا بكتب في الكراسة، سألني:
«لسه بتكتبي عن نفسك؟»
ابتسمت.
«آه.»
«وريني.»
ترددت.
«دي حاجات شخصية يا حاج.»
رفع إيده باستسلام.
«براحتك. مش هقرأ حاجة من غير إذنك.»
ضحكت، وبعدها فتحت الكراسة على صفحة كنت كاتبة فيها:
«أنا مش مطالبة أكون قوية طول الوقت. ومش لازم أستحق الراحة بأنهي كل حاجة قبلها. أنا أستحق أعيش حتى لو لسه فيه شغل ما خلصش.»
ناولته الكراسة.
قرأ الكلام ببطء، وبعدين رجعها لي.
قال:
«احتفظي بالجملة دي.»
سألته:
«ليه؟»
«عشان غالبًا هتحتاجي تفتكريها في أيام صعبة.»
قفلت الكراسة، وحطيتها في شنطتي.
وبعدين سألته:
«يا حاج، هو حضرتك عمرك ندمت إنك قضيت وقت كبير في الشغل؟»
فكر طويلًا قبل ما يرد.
«مش ندمان على شغلي، ولا على اللي بنيته. لكني ندمان على الأوقات اللي كنت أقدر أكون فيها مع سلوى، واخترت بدلها إني أخلص حاجة مش مستعجلة.»
بص ناحية الحديقة.
«كنت فاكر إن الحب مضمون، وإن الناس اللي بتحبنا هيفضلوا مستنيينا لحد ما نفضى.»
سكت.
«لكن مفيش حد مضمون له بكرة. عشان كده، لو بتحبي حد، قولي له. ولو محتاجة حاجة، اطلبيها. ولو زعلانة، اتكلمي قبل ما الزعل يتحول لحائط.»
بصيت له وأنا بفكر في سامح.
كنت محتاجة أتكلم معاه بجد، مش عشان أجبره يتغير، لكن عشان أعرف إذا كنا نقدر نبدأ من جديد.
في الليلة نفسها، بعد ما العيال ناموا، قعدت مع سامح في الصالة.
التلفزيون كان مقفول، وده كان شيء نادر.